الوسوم:الأيوبيين, المماليك
  1. lraq

    lraq Member

    الأيــــوبيين و الممــــاليك
    الرئيسية الأيــــوبيين و الممــــاليك
    الأيــــوبيين و الممــــاليك
    كتب Administrator
    انأربظاء, 02 وêسàاو 2008
    المماليك
    مصرع غرناطة:
    ظهر في أواخر عهد الموحدين ابن هود الذي سعى لتخليص الأندلس من الموحدين ، ومن النصارى أيضاَ ، وحكم قواعد شرقي الأندلس ، ودخلت في طاعته جيان وقرطبة وماردة وبطليوس ، وانتزع غرناطة من المأمون الموحدي سنة 628 هـ ، وحكم ابن الأحمر قواعد أخرى في الجنوب.

    وخاض ابن هود مع فرديناند الثالث ملك قشتالة معركة انتهت بسقوط ماردة وبطليوس في يد الإسبان النصارى سنة 628هـ ، و هزم مرة أخرى فسقطت أبدة عام 631هـ ، ثم سار ابن هود لمحاربة خصمه ومنافسه ابن الأحمر في أحواز غرناطة فوجد النصارى الفرصة سانحة للزحف على قرطبة التي سقطت بيدهم سنة 633 هـ فكانت من أشد الضربات القاصمة .
    وتوفي ابن هود سنة 635 هـ وبوفاته انهارت دولته ، فسقطت بلنسية في يد النصارى سنة 636 هـ ، ثم شاطبة ودانية ، وانضوت مرسية تحت حماية ملك قشتالة سنة 641هـ .
    ومع انهيار دولة ابن هود سارع محمد بن يوسف ابن الأحمر إلى غرناطة ودخلها في أواخر رمضان سنة 635هـ فغدت مقر حكمه .
    ورأى النصارى أن ابن الأحمر أصبح منافسهم الأول بعد موت ابن هود ، فكانت معركة صغيرة سنة 636 انتصر فيها ابن الأحمر ، فاغتاظ فرديناند الثالث فأرسل ابنه ألفونسو فاستولى على حصن أرجونة ، وحاصر غرناطة سنة 642 فردهم ابن الأحمر بخسائر فادحة .
    ولمس ابن الأحمر تفوق النصارى عليه فهادن ملك قشتالة ورضي أن يحكم باسمه ، وأن يؤدي له الجزية سنوياً وقدرها مائة وخمسون ألف قطعة من الذهب ، وأن يعاونه في حروبه ضد أعدائه بتقديم عدد من الجند ، وأن يشهد اجتماع مجلس قشتالة النيابي ، وسلم جيان وأرجونة وغيرها رهينة لحسن طاعته .
    وسيطرت إسبانية بذلك على الولايات الشرقية وبقي التهام الولايات الغربية ، وفي عام 645 ضم النصارى طلبيرة وشلب والخزانة ومرشوشة والحرة ، وفتحت قرمونة بمعاونة ابن الأحمر ، وبدأ حصار أشبيلية ودام الحصار ثمانية أشهر ثم استسلمت المدينة للنصارى في 27 رمضان 646هـ ، ثم سقطت مدن أخرى تباعاً لهذا السقوط الكبير ، كل هذا بمعاونة ابن الأحمر .
    وبدأ ابن الأحمر يواجه النصارى بعد أن رأى الخطر يحوم حوله فبدأ يخرج عن طاعتهم فغزوا أرضه عام 660هـ فردهم ، ثم شددوا الهجوم عليه بدءاً من عام 663 هـ وبدأت الهزائم تتوالى عليه فاضطر ثانية لمهادنة النصارى وتنازل لهم عن أكثر من مائة موضع معظمها غربي الأندلس ، وفي عام 668 هـ ساءت العلاقة بينه وبين النصارى فطلب ابن الأحمر العون من دولة المرينيين حكام المغرب الأقصى ، وهنا مات ابن الأحمر وحكم ابنه أبو عبد الله محمد بن محمد بن يوسف الذي كان شاعراً وفقيهاً وسمي محمد الفقيه ، ونهض أمير المرينيين أبو يوسف يعقوب المنصور المريني ابن عبد الحق لنجدة غرناطة ، وهزم النصارى في معركة قوية في 25 ربيع الأول سنة 674هـ ، ووطد لحكم بني الأحمر قرابة مدة مائتين وخمسين عاماً أخرى .
    ومرت سنون طويلة كانت العلاقة تسوء بين بني الأحمر وبين ملك قشتالة ومرة تهدأ الأوضاع ، وكلما ساءت العلاقة وجاءت نذر الحرب استغاث بنو الأحمر بحلفائهم بني مرين الذين كانوا يجوزون البحر في كل مرة ليغيثوا إخوانهم من مجازر النصارى ، حتى سقطت دولة بني مرين وقامت على أنقاضها دولة بين وطاس الضعيفة التي لم تكن بقوة بني مرين ولا تستطيع جواز البحر لنجدة المسلمين هناك .
    وتوحد الأسبان في مملكة واحدة بزواج فرديناند ملك أراغون بإيزابيلا وريثة عرش قشتالة ، واستقر العرش لهما ، وكانا ذوي نزعة صليبية حاقدة ، وكانت غرناطة غارقة في حرب أهلية بين أمير غرناطة أبي الحسن الملقب الغالب بالله وبين أخيه أبي عبد الله محمد المعروف بالزغل الذي طلب عون النصارى على أخيه أبي الحسن مراراً ، ثم اتفق الأخوان على الهدنة والصلح وأن يبقى أبو عبد الله بمالقة وأحوازها.
    وحاول أبو الحسن أن يجدد الهدنة مع قشتالة ولكن الملكين الجديدين رفضا إلا بعد دفع جزية سنوية فرفض أبو الحسن طلبهما وزحف لقلعة الصخرة وفتح مدينة رندة .
    وكان أبو الحسن قد تزوج من عائشة ابنة عمه السلطان أبي عبد الله الأيسر وهي المعروفة بعائشة الحرة ، وكانت قوية الشخصية مع سمو في الروح مع رفيع القيم والمثل ، ورزقت من أبي الحسن بولدين هما : أبو عبد الله محمد ، وأبو الحجاج يوسف ، وكان أبو الحسن قد ترك الجهاد وعشق حياة الدعة وغرق في عشق رومية نصرانية اسمها ثريا ، وأصبح أبو الحسن أداة سهلة في يد زوجته ثريا التي كانت ذات دهاء وأطماع ، وتريد أن يكون ولدها يحي ولياً للعهد ، وتقدمه على أخيه الأكبر من عائشة الحرة أبي عبد الله ، وتمكنت ثريا من إقناع أبي الحسن بإقصاء عائشة وولديها حتى أقنعته باعتقالهم ، فتم ذلك في برج قمارش أمنع أبراج الحمراء ، وشدد الحجر عليهم ، وانقسم المجتمع الغرناطي إلى فريقين : فريق يؤيد السلطان وثريا ، وفريق يؤيد الأميرة الشرعية عائشة وولديها . ولم تستسلم عائشة الحرة فاتصلت بمؤيديها وتمكنت من الهرب من قصر الحمراء سنة 887 هـ وظهرت في وادي آش عند أنصارها .
    وقرر فرديناند وإيزابيلا البدء بالحرب بعد أن رأوا أن الحرب الأهلية بدأت تؤتي ثمارها، واستولوا على مكان اسمه الحامة ، الذي يمهد لهم احتلال غرناطة ومالقة معاً ، وتم لهم ذلك ، ولم يستطع أبو الحسن استردادها ، ونشبت الثورة داخل غرناطة تعاطفاً مع عائشة وولديها ففر أبو الحسن إلى مالقة عند أخيه أبي عبد الله محمد بن سعد المعروف بالزغل .
    وجلس أبو عبد الله محمد مكان أبيه على عرش غرناطة سنة 887 هـ ، وعمره 25 سنة ، وأراد أن يحذو حذو المجاهدين فخرج في قوات هزم بها النصارى في عدة معارك ، ولما عاد مثقلاً بالغنائم داهمه النصارى في ظاهر قلعة اللسانة ، فخسر المعركة وأسر على أثرها ، وعاد الجيش دون ملكه ، وحاولت غرناطة إعادة أبا الحسن إلى عرشه بدل ابنه الأسير ولكن الإعياء هدمه والمرض فتك به فتنازل عن العرش لأخيه محمد أبي عبد الله الزغل حاكم مالقة .
    عرضت أم عبد الله الصغير ووالده الذي خشي من مكر فرديناند وخبثه في التلاعب بابنه دفع فدية كبيرة للنصارى مقابل تسليمه لهم فرفض فرديناند ، واستغل فرديناند قلة خبرة أبي عبد الله الصغير وانعدام حزمه وضعف إرادته وطموحه للحكم ليس غير فاتخذه أداة رائعة يوجهها كيف يشاء ، فأقنع فرديناند أبا عبد الله الصغير أن الصلح مع قشتالة خير ، فأرسل أبو عبد الله الصغير من يقنع المسلمين بذلك ، وسير فرديناند في اللحظة ذاتها ينتزع ما يمكن انتزاعه من مملكة غرناطة ، فاحتل رندة سنة 890 هـ فهددوا بذلك مالقة من الغرب ، وحاولوا احتلال حصن مكلين على مقربة من غرناطة ولكن أبا عبد الله الزغل ردهم .
    وفي هذه الأثناء قامت فتنة عاملها الرئيس أبو عبد الله الصغير وحزبه ، حيث دعاه حي البيازين ، فشغل أبو عبد الله الزغل بإخماد الفتنة عن مقاتلة الإسبان ، وفي أحرج المواقف أطلق فرديناند سراح أبي عبد الله الصغير بعد أن وقعه على معاهدة أعلن بها خضوعه وطاعته لملك قشتالة لمدة عامين ، وأن تطبق في جميع البلدان التي تدين بالطاعة لأبي عبد الله الصغير ، وأخذ يبث أبو عبد الله الصغير دعوته في شرق الأندلس ، والحرب الأهلية في غرناطة منذ بداية سنة 891 هـ .
    وفي هذه الحروب ضرب القشتاليون الحصون الإسلامية بالأنفاط أي المدافع التي بها صخور من نار فتهلك كل من نزلت عليه وتحرقه ، وحينما نشبت الثورة في حي البيازين أمدوا فريقاً من الثوار بالرجال والأنفاط والبارود .
    وفي شوال 891 هـ ظهر أبو عبد الله الصغير في حي البيازين ومن حوله أنصاره وأمده فرديناند بالرجال والذخائر والمؤن ، فزادت الفتنة اضطراباً ، واستغل فرديناند الفتنة القاتلة واحتل بلش مالقة على الرغم من استبسال أهلها في الدفاع عنها بمساعدة الزغل ، فعاد الزغل منها باتجاه غرناطة ليجدها قد خضعت لأبي عبد الله الصغير وتبوأ عرشها في 5 جمادى الأولى 892 هـ ، فارتد الزغل إلى وادي آش ، وبذلك انقسمت مملكة غرناطة إلى قسمين : غرناطة وأعمالها ويحكمها أبو عبد الله الصغير ، ووادي آش وأعماله ويحكمه عمه محمد بن سعد أبو عبد الله الزغل . وهذا ماكان يسعى إليه فرديناند.
    وترك فرديناند أبا عبد الله الصغير الخاضع له وبدأ بالأنحاء الشرقية والجنوبية التي تخضع لعمه أبي عبد الله الزغل ، وزحف على مالقة وطوقها براً وبحرا ًفي جمادى الآخرة 892 هـ وخاف الزغل أن يسير إلى إنجادها من وادي آش أن يغدر به ابن أخيه ، فاستنجد بسلطان مصر الأشرف قايتباي ولكن مالقة سقطت في أواخر شعبان 892 هـ ونكث فرديناند بوعوده فغدر بأهل المدينة واسترقهم جميعاً .
    ثم سقط ثغر المنكب والمرية عام 895 ، فلم يبق ثغر واحد يصل غرناطة بالمغرب ، وتطور سير الأحداث فانضوى الزغل تحت لواء النصارى فقد رأى أنه يغالب المستحيل ، ودخل النصارى وادي آش في صفر 895 هـ، وبقي الزغل يحكم وادي آش تحت حماية ملك قشتالة ، ولم يقبل بهذا الوضع المهين فجاز البحر إلى المغرب ونزل وهران ثم استقر في تلمسان حزيناً على ضياع الأندلس .
    وبقيت غرناطة آخر القواعد الإسلامية وعلى عرشها أبو عبد الله الصغير تنتظر الضرب القاضية .
    ثم أرسل الملكان الكاثوليكيان - فرديناند وإيزابيلا - وفداً يطلبان من أبي عبد الله الصغير تسليم غرناطة فثارت نفسه لهذا الغدر والخيانة وأدرك فداحة الخطأ الذي ارتكبه في محالفة هذا الملك الغادر فرفض التسليم وقرر الدفاع .
    اغتاظ فرديناند وسخط وعاث في بسائط غرناطة وخرب الضياع والقرى ، وجرت ملاحم دموية على أسوار غرناطة ذاتها ، وارتحل فرديناند على أثرها ليرمم القلاع ويشحن الأبراج القريبة من غرناطة استعداداً للمعركة القادمة .
    ودبت روح المقاومة في غرناطة ، وثار أهل البشرات ، وفتح المسلمون بعض الحصون القريبة من غرناطة .
    وسار فرديناند بجيش تراوح ما بين 50-80 ألفاً ، مع مدافع وعدد ضخمة ، وذخائر وأقوات ، وعسكر على مقربة من غرناطة في 12 جمادى الآخرة سنة 896 هـ ، وأتلف القرى والحقول والزروع حتى لا تمد غرناطة بأي طعام ، وحاصر غرناطة المدينة الوحيدة المتبقية من ملك تليد .
    وكان دفاع غرناطة من أمجد ما عرف في تاريخ المدن المحصورة ، ولم يكن هذا الدفاع قاصراً على تحمل ويلات الحصار على مدى أشهر ، بل كان يتعداه إلى ضروب رائعة من الإقدام والبسالة ، فقد خرج المسلمون خلال الحصار لقتال العدو المحاصر مراراً عديدة ، يهاجمونه ويثخنونه في مواقعه ، ويفسدون عليه خططه وتدابيره .
    وقرر فارس عربي شجاع المقاومة والجهاد إلى آخر رمق وهو موسى بن أبي غسان ، ومن أقواله : ليعلم ملك النصارى أن العربي قد ولد للجواد والرمح ، فإذا طمح إلى سيوفنا فليكسبها ، وليكسبها غالية ، أما أنا فخير لي قبر تحت أنقاض غرناطة في المكان الذي أموت فيه مدافعاً عنه ، من أفخر قصور نغنمها بالخضوع لأعداء الدين .
    وتولى موسى قيادة الفرسان المسلمين ، يعاونه نعيم بن رضوان ومحمد بن زائدة ، وتولى آل الثغري حراسة الأسوار ، وتولى زعماء القصبة والحمراء حماية الحصون .
    وقطعت غرناطة عما حولها تماماً باستثناء طريق البشرات الجنوبية من ناحية جبل شلير فجلبت منها بعض الأقوات والمؤن الضرورية ، وحل الشتاء وقلت المؤن والذخائر ، ودخل الوزير المسؤول عن غرناطة أبو القاسم عبد الملك مجلس أبي عبد الله الصغير وقال : إن المؤن الباقية لا تكفي إلا لأمد قصير ، وإن اليأس قد دبّ إلى قلوب الجند والعامة ، والدفاع عبث لا يجدي .
    ولكن موسى بن أبي غسان قرر الدفاع ما أمكن ، فقال للفرسان : لم يبق لنا سوى الأرض التي نقف عليها ، فإذا فقدناها فقدنا الاسم والوطن .
    وزحف فرديناند على أسوار المدينة المحاصرة ، فخرج المسلمون إلى لقائه ، وكان القتال رائعاً ، ولكن مشاة المسلمين لم يصمدوا ، فأوصد المسلمون أبواب غرناطة ، وامتنعوا خلف أسوارها يلاقون قدر تمزقهم .
    استمر الحصار سبعة أشهر ، واشتد الجوع والحرمان والمرض ، و أعيد تقويم الموقف في بهو الحمراء فأقر الملأ التسليم إلا موسى بن أبي غسان الذي قال بحزم : لم تنضب كل مواردنا بعد .. ولنقاتل العدو حتى آخر نسمة ، وإنه لخير لي أن أحصى بين الذي ماتوا دفاعاً عن غرناطة من أن أحصى بين الذين شهدوا تسليمها . وكانت هذه الكلمات تخاطب يائسين قرروا المفاوضة والتسليم ، وكلّف بهذه المهمة الوزير أبو القاسم عبد الملك في أواخر سنة 896 هـ .
    وفاوض الوزير أبو القاسم فرناندو دي فافرا وجونز الفودي كردوفا ، فوضعوا معاهدة وافق عليها أبو عبد الله الصغير وفرديناند في 21 المحرم 798 هـ ، واشترط المسلمون أن يوافق البابا على الالتزام والوفاء بالشرط إذا مكنوا النصارى من حمراء غرناطة والمعاقل والحصون ويحلف على عادة النصارى في العهود .
    وفي ثاني ربيع الأول من السنة نفسها استولى النصارى على الحمراء ودخلوها بعد أن استوثقوا من أهل غرناطة بنحو خمسمائة من الأعيان رهناً خوفاً من الغدر ، وكانت الشروط سبعاً وستين ، منها : تأمين الصغير والكبير في النفس والأهل والمال ، وإبقاء الناس في أماكنهم ودورهم ورباعهم وعقارهم ، ومنها إقامة شريعتهم على ما كانت ، ولا يحكم على أحد منهم إلا بشريعتهم ، وأن تبقى المساجد كما كانت والأوقاف كذلك ، وأن لا يدخل النصارى دار مسلم ، ولا يغصبوا أحداً ، وأن لا يولى على المسلمين نصراني ولا يهودي ممن يتولى عليهم من قِبل سلطانهم قَبل ، وأن يفتك جميع من أسر في غرناطة من حيث كانوا ، وأن لا يقهر من أسلم على الرجوع للنصارى ودينهم ويسير المسلم في بلاد النصارى آمناً في نفسه وماله ، ولا يمنع مؤذن و لا مصل ولا صائم ولا غيره من أمور دينه ، ومن ضحك منهم يعاقب ...
    ولما أنس فرديناند وإيزابيلا ريب المسلمين وتوجسهم من عدم إخلاص النصارى في عهودهم أعلنا في يوم 29 نوفمبر مع قسم رسمي بالله أن جميع المسلمين سيكون لهم مطلق الحرية في العمل في أراضيهم ، أو حيث شاؤوا ، وأن يحتفظوا بشعائر دينهم ومساجدهم كما كانوا ، وأن يسمح لمن شاء منهم بالهجرة إلى المغرب .
    وأما فارس الأندلس موسى بن أبي غسان فرفض وقال للزعماء حينما اجتمعوا ليوقعوا على قرار التسليم : اتركوا العويل للنساء والأطفال ، فنحن رجال لنا قلوب لم تخلق لإرسال الدمع ، ولكن لتقطر الدماء ، وإني لأرى روح الشعب قد خبت حتى ليستحيل علينا أن ننقذ غرناطة ، وسوف تحتضن أمنا الغبراء أبناءها أحراراً من أغلال الفاتح وعسفه ، ولئن لم يظفر أحدنا بقبر يستر رفاته فإنه لن يعدم سماء تغطيه ، وحاشا لله أن يقال إن أشراف غرناطة خافوا أن يموتوا دفاعا ًعنها .
    وساد سكون الموت في ردهة قصر الحمراء ، واليأس ماثل في الوجوه ، عندئذ صاح أبو عبد الله الصغير : الله أكبر لا إله إلا الله محمد رسول الله ، و لاراد لقضاء الله ، تالله لقد كتب لي أن أكون شقياً ، وأن يذهب الملك على يديّ .
    ونهض موسى وصاح : لا تخدعوا أنفسكم ، ولا تظنوا أن النصارى سيوفون بعهدهم ، ولا تركنوا إلى شهامة ملكهم ، إن الموت أقل ما نخشى ، فأمامنا نهب مدننا وتدميرها ، وتدنيس مساجدها ، وتخريب بيوتنا ، وهتك نسائنا وبناتنا ، وأمامنا الجور الفاحش ، والتعصب الوحشي ، والسياط والأغلال ، وأمامنا السجون والأنطاق والمحارق ، هذا ما سوف نعاني من مصائب الموت الشريف ، أما أنا فوالله لن أراه .
    ثم غادر غرناطة واخترق بهو الأسود عابساً حزيناً ، فوصل داره ، ولبس سلاحه ، وسار على جواده مخترقاً شوارع غرناطة ، وعلى ضفة نهر شنيل قابل موسى سرية من الفرسان النصارى تبلغ نحو الخمسة عشر ، فطلبوا إليه أن يقف ، وأن يعرف بنفسه ، فلم يجب ، بل وثب إلى وسطهم وانقض يثخن فيهم طعاناً ، وكانت ضرباته قاتلة ، حتى أفنى معظمهم ، غير أنه أصيب في النهاية بجرح أسقطه عن جواده ، ولكنه ركع على ركبتيه واستل خنجره وأخذ يجاهد عن نفسه ، فلما رأى أن قواه قد نضبت ولم يرد أن يقع أسيراً في يد خصومه ارتد إلى الوراء بوثبة أخيرة فسقط في مياه نهر شنيل فدفعه سلاحه الثقيل إلى الأعماق .
    وفي يوم 20 ديسمبر أرسل أبو عبد الله الصغير وزيره يوسف بن كماشة إلى فرديناند مع رهائن من الأعيان ووجوه القوم مع بعض الهدايا ، واتفق مع ملك قشتالة على تسليم المدينة في الثاني من ربيع الأول سنة 897 هـ ، وأرسل فرديناند المطران مندوسا ليحتل قصر الحمراء وليمهد الطريق لمقدم الموكب الملكي ، وما كاد النصارى يجوزون إلى داخل القصر حتى رفعوا فوق برجه الأعلى صليباً فضياً كبيراً ، وأعلن من فوق البرج أن غرناطة أصبحت ملكاً للملكين الكاثوليكيين ، ودخل فرديناند وإيزابيلا قصر الحمراء مع فرقة رهبان ترتل .
    وهكذا انتهت آخر الحواضر الإسلامية في إسبانية ، أما أبو عبد الله الصغير فقد خرج وأسرته ليستقروا في البشرات حاكماً باسم فرديناند وتحت حمايته ، وغادر غرف القصر وأبهاءه وهو يحتبس الزفرات في صدره ، وسار بركب حزين ، وعلى ضفة نهر شنيل التقى مع فرديناند وقدم إليه أبو عبد الله مفاتيح الحمراء قائلاً : إن هذه المفاتيح هي الأثر الأخير لدولة العرب في إسبانية ، ولقد أصبحت أيها الملك سيد تراثنا وديارنا وأشخاصنا ، وهكذا قضى الله ، فكن في ظفرك رحيماً عادلاً .
    ثم سار مع فرديناند حيث إيزابيلا فقدم الطاعة والتحيات ، واتجه إلى طريق البشرات ، وفي شعب ( بل البذول أو بادول ) أشرف على غرناطة فأجهش بالبكاء فصاحت به أمه عائشة الحرة : أجل ، فلتبك كالنساء ملكاً لم تستطع أن تدافع عنه كالرجال .
    وبعد شهور من مصرع غرناطة غادر أبو عبد الله الصغير إلى المغرب مع أسرته وأمواله ونزل مدينة مليلة ، ثم استقر في فاس ، في دولة بني وطاس، بعد أن عجّل بوقوع مأساة غرناطة بالجنوح إلى الدعة والخمول والحرب الأهلية ، وترك شؤون الدفاع والعدو من ورائه متربص متوثب يرقب الفرص .
    أما النصارى فقد نقضوا العهود ومنعوا المسلمين من النطق بالعربية في الأندلس ، وفرضوا إجلاء العرب الموجودين فيها ، وحرق من بقي منهم ، وأمر الكردينال (كمينس ) بجمع كل ما يستطاع جمعه من الكتب العربية وأحرقها .
    وأجبر المسلمون على اعتناق النصرانية ، ولما قاوموا التنصير وأبوه اعتبروا ثواراً متصلين بالمغرب والقاهرة ، وبدأ القتل فيهم ، فثاروا بالفعل في غرناطة والبيازين والبشرات ، فمزقوا بلا رأفة .
    وفي 20 يوليه 1501 أصدر الملكان فرديناند وإيزابيلا أمراً خلاصته : إنه لما كان الله قد اختارهما لتطهير مملكة غرناطة من الكفرة فإنه يحظر وجود المسلمين فيها .. ويعاقب المخالفون بالموت أو مصادرة الأموال . فهاجرت جموع المسلمين إلى المغرب ناجية بدينها ومن بقي من المسلمين أخفى إسلامه وأظهر تنصره فبدأت محاكم التفتيش نشاطها الوحشي المروع .
    مصرع غرناطة ، للدكتور شوقي أبو خليل
    معركة حطين:
    يعتقد بعض الناس أن معركة حطين نهاية الفرنج في المنطقة ، والحقيقة أنها بداية النهاية ، إذ استمرت الحروب بعدها قرابة القرن انتهت أخيراً باقتلاع الممالك الإفرنجية من ساحل الشام وفلسطين ، فحطين لم تحطم ممالك الفرنج ولم تقض عليها نهائياً ، بل أسست بداية جديدة لموازين القوى ، وأكدت أن قوة الفرنج يمكن أن تقهر ، فقد كانت معركة فاصلة بين حدين ، أي أنها ختمت مرحلة التراجع والهزائم وأسست مرحلة الانتصارات والتقدم .
    لقد بدأ صلاح الدين بداية حكمه مصر عام 564 هـ ، وأول مواجهة جدية كانت له مع الصليبيين هي حطين وذلك عام 583هـ ، وبين هذين التاريخين مناوشات محدودة مع الصليبيين ، فصلاح الدين لم يستل سيفه منذ اليوم الأول وبدأ هجومه المعاكس على الممالك الإفرنجية بل أخذ وقته في الإعداد والتنظيم والدراسة والمراقبة وتفحص مواقع القوة والضعف .
    بدأ فيها تثبيت الأوضاع في مصر ، وأسقط فيها الدولة الفاطمية فيها ، وأقام الخطبة والحكم للخلافة العباسية ، فلما توفي نور الدين سنة 568هـ بدأ صلاح الدين ببلاد الشام ليضمها تحت إمرته ففتح دمشق وحمص وحلب وحماة وحلب وغيرها ، وفتح اليمن ، وأمن الطريق للحجاج إلى مكة والمدينة ، وأسقط المكوس ، ونشر العدل ، وأعد الجيوش ، حتى كانت المعركة الفاصلة في حطين ، فماذا جرى في حطين ؟
    قال ابن كثير : ( برز السلطان من دمشق يوم السبت مستهل محرم في جيشه ، فسار إلى رأس الماء فنزل ولده الأفضل هناك في طائفة من الجيش ، وتقدم السلطان ببقية الجيش إلى بصرى فخيم على قصر أبي سلام ، ينتظر قدوم الحجاج ليسلموا من معرة برنس الكرك ، فلما جاز الحجيج سالمين سار السلطان فنزل على الكرك وقطع ما حوله من الأشجار ، ورعى الزرع وأكلوا الثمار ، وجاءت العساكر المصرية وتوافت الجيوش المشرقية ، فنزلوا عند السلطان على رأس الماء ، وبعث الأفضل سرية نحو بلاد الفرنج فقتلت وغنمت وسلمت ورجعت ، فبشر بمقدمات الفتح والنصر .
    وجاء السلطان بجحافله فالتفت عليه جميع العساكر ، فرتب الجيوش وسار قاصداً بلاد الساحل ، وكان جملة من معه من المقاتلة اثني عشر ألفاً غير المتطوعة ، فتسامعت الفرنج بقدومه فاجتمعوا كلهم وتصالحوا فيما بينهم ، وصالح قومس طرابلس وبرنس الكرك الفاجر ، وجاءوا بحدهم وحديدهم ، واستصحبوا معهم صليب الصلبوت يحمله منهم عباد الطاغوت وضلال الناسوت ، في خلق لا يعلم عدتهم إلا الله عز وجل ، يقال :كانوا خمسين ألفاً ، وقيل : ثلاثاً وستين ألفاً ، وقد خوفهم صاحب طرابلس من المسلمين فاعترض عليه البرنس صاحب الكرك ، فقال له : لا أشك أنك تحب المسلمين وتخوفنا كثرتهم ، وسترى غب ما أقول لك ، فتقدموا نحو المسلمين .
    وأقبل السلطان ففتح طبرية و تقوى بما فيها من الأطعمة والأمتعة وغير ذلك ، وتحصنت منه القلعة فلم يعبأ بها ، وحاز البحيرة في حوزته ومنع الله الكفرة أن يصلوا منها إلى قطرة ، حتى صاروا في عطش عظيم ، فبرز السلطان إلى سطح الجبل الغربي من طبرية عند قرية يقال لها حطين ، التي يقال إن فيها قبر شعيب عليه الصلاة والسلام ، وجاء العدو المخذول ، وكان فيهم صاحب عكا وكفر نكا وصاحب الناصرة وصاحب صور وغير ذلك من جميع ملوكهم ، فتواجه الفريقان وتقابل الجيشان ، وأسفر وجه الإيمان واغبر وأقتم وأظلم وجه الكفر والطغيان ، ودائرة دائرة السوء على عبدة الصلبان ، وذلك عشية يوم الجمعة ، فبات الناس على مصافهم .
    وأصبح صباح يوم السبت الذي كان يوماً عسيراً على أهل الأحد وذلك لخمس بقين من ربيع الآخر ، فطلعت الشمس على وجوه الفرنج واشتد الحر وقوي بهم العطش ، وكان تحت أقدام خيولهم حشيش قد صار هشيماً ، وكان ذلك عليهم مشؤوماً ، فأمر السلطان النفاطة أن يرموه بالنفط ، فرموه فتأجج ناراً تحت سنابك خيولهم ، فاجتمع عليهم حر الشمس وحر العطش وحر النار وحر السلاح وحر رشق النبال ، وتبارز الشجعان ، ثم أمر السلطان بالتكبير والحمل الصادقة فحملوا وكان النصر من الله عز وجل ، فمنحهم الله أكتافهم فقتل منهم ثلاثون ألفاً في ذلك اليوم ، وأسر ثلاثون ألفاً من شجعانهم وفرسانهم ، وكان في جملة من أسر جميع ملوكهم سوى قومس طرابلس فإنه انهزم في أول المعركة ، واستلبهم السلطان صليبهم الأعظم ، وهو الذي يزعمون أنه صلب عليه المصلوب ، وقد غلفوه بالذهب واللآلئ والجواهر النفيسة ، ولم يسمع بمثل هذا اليوم في عز الإسلام وأهله ، ودمغ الباطل وأهله ، حتى ذكر أن بعض الفلاحين رآه بعضهم يقود نيفاً وثلاثين أسيراً من الفرنج ، وقد ربطهم بطنب خيمة ، وباع بعضهم أسيراً بنعل ليلبسها في رجله ، وجرت أمور لم يسمع بمثلها إلا في زمن الصحابة والتابعين ، فلله الحمد دائماً كثيراً طيباً مباركاً ).
    هذا وقد كان البرنس أرناط البيزنطي صاحب الكرك كان قد نذر أنه إن ظفر به قتله ، وذلك أنه كان عبر به قافلة راجعة من الديار المصرية في حالة الصلح بينه وبين المسلمين ، فنزلوا عنده بالأمان فغدر بهم وقتلهم ، فناشدوه الله والصلح الذي بينه وبين المسلمين فقال ما يتضمن الاستخفاف بالنبي صلى الله عليه وسلم وقال : قولوا لمحمدكم يخلصكم ، وبلغ السلطان فحمله الدين والحمية على أنه نذر إن ظفر به قتله .
    قال ابن كثير : ( فلما تمت هذه الوقعة ووضعت الحرب أوزارها أمر السلطان بضرب مخيم عظيم ، وجلس فيه على سرير المملكة وعن يمينه أسرة وعن يساره مثلها ، وجيء بالأسارى تتهادى بقيودها ، فأمر بضرب أعناق جماعة من مقدمي الداوية – الداوية :فرقة دينية عسكرية شديدة البأس – صبراً ، ولم يترك أحداً منهم ممن كان يذكر الناس عنه شراً .
    ثم جيء بملوكهم فأجلسوا عن يمينه ويساره على مراتبهم ، فأجلس ملكهم الكبير عن يمينه ، وأجلس أرناط برنس الكرك وبقيتهم عن شماله ، ثم جيء إلى السلطان بشراب من الجلاب مثلوجاً ، فشرب ثم ناول الملك فشرب ، ثم ناول أرناط صاحب الكرك فغضب السلطان وقال له : إنما ناولتك ولم آذن لك أن تسقيه ، هذا لا عهد له عندي ، ثم تحول السلطان إلى خيمة داخل تلك الخيمة واستدعى بأرناط صاحب الكرك ، فلما أوقف بين يديه قام إليه بالسيف ودعاه إلى الإسلام فامتنع ، فقال له : نعم أنا أنوب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الانتصار لأمته ، ثم قتله وأرسل برأسه إلى الملوك وهم في الخيمة ، وقال : إن هذا تعرض لسب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم قتل السلطان جميع من كان من الأسارى من الداوية والاسبتارية – الاسبتارية كالداوية :فرقة دينية عسكرية شديدة البأس – صبراً وأراح المسلمين من هذين الجنسين الخبيثين .
    ولم يسلم ممن عرض عليه الإسلام إلا القليل ، فيقال إنه بلغت القتلى ثلاثين ألفاً ، والأسارى كذلك كانوا ثلاثين ألفاً ، وكان جملة جيشهم ثلاثة وستين ألفاً ، وكان من سلم مع قلتهم وهرب أكثرهم جرحى فماتوا ببلادهم ، وممن مات كذلك قومس طرابلس ، فإنه انهزم جريحاً فمات بها بعد مرجعه ، ثم أرسل السلطان برؤوس أعيان الفرنج ومن لم يقتل من رؤوسهم ، وبصليب الصلبوت إلى دمشق ليودعوا في قلعتها ، فدخل بالصليب منكوساً وكان يوماً مشهوداً .
    ثم سار السلطان إلى قلعة طبريا فأخذها ، ثم سار السلطان إلى حطين فزار قبر شعيب ، ثم ارتفع منه إلى إقليم الأردن ، فقسم تلك البلاد كلها ، ثم سار إلى عكا ، فنزل عليها يوم الأربعاء سلخ ربيع الآخر ، فافتتحها صلحاً يوم الجمعة ، وأخذ ما كان بها من حواصل الملوك وأموالهم وذخائرهم ومتاجر وغيرها ، واستنقذ من كان بها من أسرى المسلمين ، فوجد فيها أربعة آلاف أسير ، وأمر بإقامة الجمعة بها ، وكانت أول جمعة أقيمت بالساحل بعد أخذه الفرنج نحواً من سبعين سنة ، ثم سار منها إلى صيدا وبيروت وتلك النواحي من السواحل يأخذها بلداً بلداً ، لخلوها من المقاتلة والملوك ، ثم رجع سائراً نحو غزة وعسقلان ونابلس وبيسان وأراضي الغور، فملك ذلك كله ، وكان من جملة ما افتتحه السلطان في هذه المدة القريبة خمسين بلداً كباراً كل بلد له مقاتلة وقلعة ومنعة ، وغنم الجيش والمسلمون من هذه الأماكن شيئاً كثيراً ، وسبوا خلقاً .
    وذكر محمد بن القادسي أنه ورد كتاب إلى بغداد في وصف هذه الوقعة فيه : ( .. واستغنى عسكر الإسلام من الأسرى والأموال والغنائم بحيث لا يقدر أحد يصف ذلك ، وما سلم من عسكر الفرنج سوى قمّص طرابلس مع أربعة نفر ، وهو مجروح ثلاث جراحات – مات بعدها بقليل – وأخذ جميع أمراء الفرنج ، وكم قد سبي من النساء والأطفال ، يباع الرجل وزوجته وأولاده ثلاث بين وابنتان بثمانين ديناراً .. وأخذ من البقر والغنم والخيل والبغال مالم يجيء من يشتريها من كثرة السبي والغنائم ) .
    البداية والنهاية 12/320 ، وسقوط القدس وتحريرها لوليد نويهض، ومختصر الروضتين في أخبار الدولتين لمحمد موسى الشريف ، ص 230
    سيف الدين قطز....والرسالة الخالدة
    سيف الدين قطز.. والرسالة الخالدة
    بقلم / د / عبد اللطيف الصباغ
    شهد العالم الإسلامي عام 656هـ- 1258م كارثة تمثلت في هجمة مغولية شرسة على الجناح الشرقي من العالم الإسلامي؛ فأسقطوا الخلافة العباسية، وقتلوا الخليفة المستعصم بالله ، وهدموا المنازل وحرقوا المساجد ، وسفكوا الدماء حتى جرت في طرقات بغداد ، وخربوا مكتبتها، وعمّ الخوف والهلع قلوب العباد، وتتابع سقوط مدن العراق والشام في يد المغول ، وغدا العالم الإسلامي كله على شفا جرف هار ، فلم يبق من معاقل القوى السياسية الإسلامية آنذاك سوى مصر.
    معادن الرجال:
    وتُظهر الشدائدُ معادن الرجال، ففي بلاد الشام خشي كثير من أمراء بني أيوب عاقبة مقاومة المغول ، فتملكهم اليأس والقنوط ، ونادى بعضهم بالاستسلام ، في حين توهم البعض الآخر إمكانية التحالف مع هؤلاء القوم ، بدلاً من أن يستشعر عِظَم المصيبة؛ فأرسل الناصر يوسف صاحب دمشق ابنه إلى هولاكو يطلب منه المساعدة في استعادة مصر من يد المماليك ، فقرر هولاكو إرسال قوة من عشرين ألف فارس إلى بلاد الشام ، فما لبثت جحافل التتار أن اجتاحت المدن الشامية الواحدة تلو الأخرى حتى وصلوا إلى غزة.
    وعمّ الفزع والهلع قلوب المصريين من هول ما وصلهم من أنباء عن قوة المغول وبأسهم وتنكيلهم بالمسلمين، ففر كثير من التجار نحو المغرب والحجاز.
    ووسط هذه المهانة والخنوع والخضوع قيض الله لهذه الأمة سيفاً من سيوفه ، ألا وهو سيف الدين قطز بن عبد اللّه المعزي ثالث ملوك الترك المماليك بمصر والشام ( حكم من 657 - 658هـ - 1259-1260م) كان مملوكاً للمعز أيبك وترقى إلى أن أصبح "أتابك" العساكر في دولة المنصور بن المعز.
    وصول قطز إلى الحكم :
    عقد قطز نائب السلطنة مجلساً بالقلعة للتشاور في أمر التهديدات المغولية، فأنكر على الملك الصبي "المنصور علي بن أيبك" سلوكه وانصرافه إلى حياة اللهو، بما لا يتناسب مع ما تجابهه الأمة من أخطار، فلمّا استشعر قطز موافقة الحاضرين واقتناعهم انتهز فرصة خروج الأمراء للصيد، وألقى القبض على المنصور وأمه وأخيه، وأمسك بزمام الأمر بنفسه ، فجلس على عرش مصر في 24 ذي القعدة 657هـ - 1259م، فلما رجع الأمراء أنكروا عليه فعلته، وخشي من غضبتهم، فحاول إقناعهم قائلاً: "إني ما قصدت إلاّ أن نجتمع على قتال التتار، ولا يتأتى ذلك بغير ملك، فإذا خرجنا وكسرنا هذا العدو، فالأمر لكم أقيموا في السلطنة من شئتم"، وأخذ يرضي الأمراء حتى تمكن منهم واستتب له الأمر.
    ومقولته هذه تبين استراتيجيته وعزمه على الخروج لملاقاة هذا العدو منذ البداية، ولم يكن خروجه مجرد رد فعل.
    رسل المغول:
    ورد قطز دأب المغول على بث الرعب في قلوب أعدائهم، فأرسلوا بسفارة إلى مصر، تحمل رسالة يطلبون فيها الاستسلام ولم تخل من تهديد ووعيد وإهانة ؛ فورد فيها: "سلموا لنا الأمر تسلموا، قبل أن ينكشف الغطاء فتندموا، وقد سمعتم أننا أخربنا البلاد وقتلنا العباد، فكيف لكم الهرب، ولنا خلفكم الطلب؟ فما لكم من سيوفنا خلاص... عددنا كالرمال، فمن طلب حربنا ندم... فلا تهلكوا أنفسكم بأيديكم".
    فما كان من قطز إلاّ أن حبس الرسل واستشار الأمراء والعلماء، فأيد أكثرهم الحرب وعارض قليل منهم ، وجد قطز أن بديل الحرب.. الاستسلام والخضوع والذل والمهانة، ففضل القتال، ففيه إحدى الحسنييّن: إما النصر والعزة والكرامة ورفع راية الإسلام، ومن ثَمّ إنقاذ العالم الإسلامي من براثن التتار، وإما الاستشهاد في حومة الوغى، وبعدها جنة ونعيم ، فجاء رده على سفارة المغول أقوى وأبلغ، إذ مزق الرسالة وذبح حامليها على غير عادة المسلمين مع الرسل وعلقهم على باب زويلة؛ لا لشيءٍ إلاّ لشحذ الهمم وإزالة ما تركه النبأ من رعب وهلع في نفوس المسلمين، فوضع بذلك البلاد على طريق الحرب عند نقطة اللاعودة ، فكان الاستعداد بهذه الطريقة البداية الحقيقية للنصر.
    وقد يكون لأصول قطز دخل في هذا الموقف الصلب، إذ تروي بعض المصادر أنه ينتمي إلى البيت الخوارزمي، واسمه محمود بن ممدود، خاله السلطان جلال الدين خوارزم شاه الذي ضاع ملكه على يد المغول، وأن قطز كان ضمن أطفال خطفهم التتار وباعوهم في أسواق النخاسة، فاستقر به المقام في مصر، ضمن مماليك المعز أيبك.
    ولكن مما لا شك فيه أن لأسلوب تربيته الأثر الأكبر في هذا الموقف، حيث حرص بنو أيوب على جلب عدد كبير من المماليك في سن صغيرة وتربيتهم تربية دينية وعسكرية خاصة، يحفظ فيها المملوك القرآن ويتلقى تعاليم الدين الحنيف، ويحاسب حساباً شديداً على تطبيقها، فإذا اشتد عوده تعلم ركوب الخيل وفنون الرماية والقتال ، وتشرب حب الدين والجهاد، وتُعَدّ الفروسية والذكاء والإخلاص لولي الأمر أهم مقومات وصول المملوك إلى أعلى المناصب.
    وقد أفرزت هذه التربية رجالاً حموا حوزة الدين أمثال قطز وبيبرس، وجنوداً من أمثال أبطال عين جالوت، فعلام نربي أبناءنا الآن، وعلام يربي حكام المسلمين اليوم أبناءهم؟!
    يا خيل الله.. اركبي :
    اختار قطز الخروج لملاقاة العدو في بلاد الشام، خط الدفاع الأول عن مصر، فبدأ بتنظيم الجبهة الداخلية، بعزل كل من شك في ولائه وتعيين رجاله المقربين، وألقى القبض على معارضيه وأودعهم السجن، وحشد الجيوش من المماليك، ثم نادى منادي الجهاد في القاهرة وسائر الأقاليم ، وبدأ في جمع الأموال اللازمة، ففرض ضرائب جديدة، لكنه لقي معارضة شديدة من العلماء، وفي مقدمتهم العز بن عبد السلام، الذي طالبه بجمع ما عند أمراء المماليك من ذهب وسكه عملة، حتى لا يبقى مع الواحد منهم سوى جواده وسلاحه، فإذا لم يكف جاز له أن يفرض ضريبة على الرعية، فامتثل قطز لهذا الرأي.
    ولمّا وجد قطز تقاعساً من بعض الأمراء في الخروج لحرب المغول صاح فيهم: "يا أمراء المسلمين، لكم زمان تأكلون أموال بيت المال وأنتم للغزاة كارهون؟ أنا متوجه.. فمن اختار الجهاد يصحبني، ومن لم يختر ذلك يرجع إلى بيته، فإن الله مطلع عليه، وخطيئة حريم المسلمين في رقاب المتأخرين" .
    فكان لكلماته كبير الأثر فاستجابوا جميعاً لنداء الجهاد.
    وضع قطز على رأس مقدمة الجيش الظاهر بيبرس زعيم المماليك البحرية، نظراً لروحه العالية وتحمسه للجهاد، وخبرته ببلاد الشام، إضافة إلى كسب ود هذه الطائفة وإزالة ما بينه وبينها من خلاف.
    تقدم بيبرس بالمقدمة فهزم قوة صغيرة من المغول في غزة، وتبعه قطز ببقية الجيش، ارتعدت فرائص الصليبيين من قوة جيش مصر وعدده وعدته، فخرجوا إلى قطز يعرضون عليه المساعدة، فشكرهم وأخذ عليهم العهد أن يكونوا على الحياد لا له ولا عليه، وهددهم إذا نقضوا عهدهم بأن يقاتلهم قبل المغول، ومضى في طريقه شمالاً، ولم يكن الصليبيون آنذاك قوة يخشى بأسها.
    عين جالوت :
    وفي صباح يوم الجمعة 26 رمضان 658هـ- 3 سبتمبر 1260م التقى الجمعان عند عين جالوت، فبقي المسلمون في السهل، حيث دارت المعركة ، ومنذ البداية حملت ميسرة المغول بكل شراسة على ميمنة المسلمين، فتشتت المسلمون وزلزلوا زلزالاً شديداً، وكادت المعركة تنتهي منذ بدايتها بكارثة للعالم، فترجل قطز من فوق فرسه وألقى خوذته في الأرض، وصاح بأعلى صوته مستنفراً همة المسلمين: "واإسلاماه"، فالتف حوله كل من سمع صيحته، وفي مقدمتهم بيبرس، وشنوا هجوماً مضاداً، فاختل توازن التتار، ومن حسن الطالع أن قائدهم كتبغا لقي حتفه في هذا الهجوم، فانسحب المغول شمالاً.
    أعاد المغول تنظيم صفوفهم عند بيسان، وتبعهم قطز بجيشه، فالتحم الفريقان مرة أخرى، وبعد طول قتال بين كر وفر أكد المسلمون نصرهم في النهاية، وتجرع المغول كأس الهزيمة لأول مرة في تاريخهم ،عندئذ نزل قطز من فوق فرسه وخر ساجداً لله شاكراً في ميدان المعركة.
    وفي أعقاب عين جالوت قام جيش المماليك بقيادة قطز وبيبرس بتطهير سريع لبلاد الشام، فاسترد دمشق وحلب، وفرت فلول المغول من بلاد الشام، ودان من تبقى من أمراء البيت الأيوبي لدولة المماليك، وتعهدوا بدفع الخراج ، والدعاء لقطز على المنابر.
    ولم تكن معركة عين جالوت نهاية المطاف، ولكنها كانت بداية لهزائم أخرى تجرعها المغول على يد بيبرس، لكن ترجع أهمية عين جالوت إلى أنها وضعت حداً لهجمات المغول الكاسحة التي أتت على الأخضر واليابس، فأنقذت العالم الإسلامي من الفناء، تحت أقدام هذه القوة الغاشمة، وكسرت شوكتهم وبدلت استراتيجيتهم الهجومية، فاتخذت غزواتهم بعد ذلك شكل غارات متقطعة، سرعان ما تنتهي بالانسحاب عندما تخرج لهم جيوش مصر.
    وأذنت عين جالوت بتغيير موازين القوى السياسية والعسكرية في المنطقة؛ حيث أفل نجم الدولة العباسية، وسقطت التيجان الأيوبية، وسما نجم المماليك.
    المشهد الأخير من حياة البطل :
    وفي طريق العودة إلى القاهرة شاءت الأقدار أن يسدل الستار على حياة بطل عين جالوت بشكل مأساوي، حارت في تفسيره أقلام المؤرخين، إذ دبرت بليل مؤامرة أمراء المماليك البحرية بقيادة بيبرس، للتخلص من البطل المغوار قطز زعيم المماليك المعزية، خوفاً من أن يتخلص هو منهم، كما تخلص من أستاذهم أقطاي من قبل، وهذا هو التفسير الأقرب لطبائع المماليك.
    وبعيداً عن الخوض في أسباب هذا الحادث الذي أدمى القلوب، فقد رحل قطز، تاركاً رسالة واضحة لمن جاء بعده من حكام المسلمين، مفادها: أن مكانة القادة في قلوب الرعية وصفحات التاريخ لا تقاس بالأعمار الطويلة أو الأزمان المديدة، وإنما تقاس بالأعمال المجيدة ، فقطز الذي لم يدم ملكه أكثر من عام واحد حاز مكانة في قلوب المسلمين لم يبلغها إلاّ القلائل من الرجال.
    المراجع:
    (1) ابن إياس : بدائع الزهور في وقائع الدهور (القاهرة، 1975).
    (2) سعيد عبد الفتاح عاشور: مصر والشام في عصر الأيوبيين والمماليك (دار النهضة العربية، بيروت، د. ت).
    (3) أحمد تمام: حدث في العام الهجري (قطز قهر المغول وطعنه الرفاق ) www. islamonline.net.
    (4) عماد حسين، مجاهيل ومشاهير قطز.. الصائح: واإسلاماهwww.islamonline.net
    المصدر : مجلة المجتمع الكويتية العدد 1662م/ يوليو 2005
    الايوبيون
    الحياة العلمية في مصر وبلاد الشام
    في سنة 521هـ ، تولى عماد الدين زنكي بن آق سنقر إمارة الموصل من قبل السلطان السلجوقي الذي كانت له الكلمة العليا في البلاد التي تعترف بخلافة العباسيين ، وبدأت بولاية زنكي على الموصل حركة إحياء سياسي واجتماعي وثقافي ، في مناطق الجزيرة العراقية والشام التي كانت حتى ذلك التاريخ مفككة الأوصال مشتتة الكلمة ، ثم لم تلبث هذه الحركة الإحيائية أن انتقلت إلى مصر عقب سقوط الدولة الفاطمية ، سنة 564هـ ، أمام جيوش السلطان نور الدين محمود بن زنكي ، واستمرت هذه الحركة على نشاطها في البلدين المتحدين منذ ذلك التاريخ حتى سقوط الدولة الأيوبية في مصر ، سنة 648هـ ، لتخلفها دولة المماليك البحرية التي بدأت عهداً جديداً من الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية يختلف في بعض مظاهره عن العصر الأيوبي ويتفق معه في بعض آخر.
    ومن ثم كان تحديد بحثنا عن الحياة العلمية في مصر والشام مرتبطا بهذين التاريخين : 512 – 648 هـ ، أي شاملا للعصر الذي يبدأ بولاية عماد الدين زنكي إمارة الموصل وينتهي بسقوط الدولة الأيوبية في مصر.
    وقد شهدت هذه الحقبة التي تتحدث عنها تغيرات رئيسية هامة ، كان من بينها سلسلة الحروب التي دارت رحاها – في معظم مراحلها – بمصر والشام وهي الحروب التي عرفت في التاريخ باسم الحروب الصليبية كما كان منها تلك الانقلابات السياسية والثقافية التي شهدتها هاتان المنطقتان نتيجة لتدهور سلطان الفاطميين الإسماعيليين وانتعاش النفوذ السني في ظل حكم السلاجقة وأتباعهم بالشام ، ثم في ظل الأيوبيين في مصر والشام جميعاً.
    وقد جاهد زنكي منذ تولى شئون الموصل لوضع حد للخلافات السياسية الإقطاعية التي مزقت الشام والجزيرة العراقية ، فنجح بحروبه المتتابعة في إيجاد نوع من الاتحاد شمل جزءاً كبيراً من هذه البلاد وأخضعها لسلطانه ، ثم جاء بعده ابنه نور الدين محمود ، 541 هـ ، فبدأ من حيث انتهى أبوه ، ونجح في توحيد الشام والجزيرة جميعاً باستثناء المناطق التي كانت في أيدي الصليبيين (1) ، ثم مد نفوذه إلى مصر حيث نجح قائده أسد الدين شيركوه ، عم صلاح الدين الأيوبي بعد محاولات ثلاث ، في إخضاعها لسلطانه ، وفي مصر ، بعد وفاة شيركوه ظهر صلاح الدين وزيراً للعاضد الخليفة الفاطمي الشيعي وقائداً لجيوش صاحب الشام نور الدين محمود السلطان السني ، ثم لم تلبث الخلافة الفاطمية أن انهارت ، فزال بانهيارها آخر ظل للنشاط الإسماعيلي عن مصر ، واصطبغت البلاد منذئذ بالصبغة السنية في مذهبها الديني وفي نظامها السياسي.
    لكن الوحدة التي نجح هؤلاء الرجال الثلاثة في تحقيقها بين مصر والشام لم تسلم من الأخطار التي تهددتها في شكل الحملات الصليبية المتتابعة لتأكيد سلطان أوروبا على الأراضي المقدسة وللقضاء على قوة مصر التي حملت العبء الأكبر في مقاومة هذه الحملات الصليبية ، وكان لاتحاد القوى في مصر والشام ، برغم بعض المنازعات الداخلية ، فضل كبير في فشل هذه الحملات التي لم تحقق من أهدافها عندئذ إلا القليل.
    وفي حديثنا عن الحياة العلمية في هذه الحقبة يحسن أن نبدأ بما ذكره ابن جبير في (الرحلة) من أنه رأى في دمشق وحدها ، أثناء زيارته لها نحو ، عشرين مدرسة ، كما رأى في حلب خمس مدارس (2) . ويذكر ابن الشحنة في كتابه " الدر المنتخب " من مدارس حلب عدداً جاوز الخمسين ، أنشئت جميعاً بين سنتي 516 ، 665 ، ودمشق وحلب العاصمتان الرئيسيتان للشام في هذه الحقبة من التاريخ ، وهذان المثلان يكفيان في الدلالة على مدى الاهتمام بالإحياء العلمي في هذا العصر الذي نتحدث عنه ، غير أنه يحسن أن تضيف إلى هذا أن عدداً كبيراً من الزوايا والمساجد كان يؤدي وظيفة المدرسة في هذا العصر على نطاق واسع أيضاً (3).
    وقد أنشئت أول مدرسة في دمشق في عهد الأتابك (طغتكين) الذي تولى إمارتها سنة 497هـ لكن دمشق لم تفز بالشهرة الفائقة التي اكتسبتها في ميدان النشاط العلمي إلا منذ عهد السلطان نور الدين محمود الذي اتخذها عاصمة لملكه سنة 549 هـ . ولعل السر في هذا أن المدة التي انقضت بين تأسيس أول مدرسة بدمشق واستيلاء نور الدين عليها ، حفلت بالنزاع المتصل بين أمراء المسلمين بالشام ، أو بينهم وبين الفرنج والصليبين ؛ وهو النزاع المرير الذي لم يدع فرصة لأي إصلاح علمي أو اجتماعي ، رغم توفر النية لدى بعض الأمراء.
    والمدرسة كمركز للنشاط العلمي السني تدين بوجودها لأسرة السلاجقة ، ومن المسلم به أن المدرسة ظهرت في صور مختلفة قبل ظهور السلاجقة بزمن في منطقة خراسان ، وفي غيرها من الأقاليم الشرقية بصفة عامة (4) ، إلا أن أول من أنشأ المدرسة بنظامها الكامل الذي عرفت به في بلاد العراق والشام ومصر كان نظام الملك وزير السلاجقة المتوفى سنة 485 هـ ، وهو مؤسس المدارس النظامية المعروفة (5) . وقد ذكرنا من قبل أن أول مدرسة أنشئت في دمشق سنة 497هـ (6).
    ولم يكن ظهور المدارس في مصر والشام بهذه الكثرة الملحوظة في العصر الذي نتحدث عنه إلا مظهراً من مظاهر رد الفعل لتدهور الدعاية الشيعية الإسماعيلية التي فقدت سيطرتها أولا في بلاد الشام ، لانحسار سلطة الفاطميين عنها ، ثم انهارت أخيراً في مصر بعد سقوط الخلافة الفاطمية أمام جيوش الفتح النوري ، ثم من بعده بجهود صلاح الدين.
    والاستعراض التفصيلي للمواد التي كانت تدرس في هذه المدارس خير دليل على صحة هذه الدعوى التي ذهبنا إليها.
    ذلك أن مواد الدراسة في هذه الحقبة كانت تختلف من مدرسة إلى أخرى تبعاً لاختلاف أعمار الطلاب ولاختلاف المذاهب التي أنشئت من أجلها ، ولكنها مع هذا كانت تتفق جميعاً في أمر واحد هو تجنب الدراسة الفلسفية والمنطقية ، ولعل ذلك يرجع إلى أن المذهب الشيعي الإسماعيلي بصفة خاصة كان يعتمد في دعايته ، السرية والعلنية إلى جانب العاطفة الروحية ، على الجدل المنطقي وعلى الأسس الفلسفية والرياضية إلى حد كبير ، وبهذا كانت المواد التي تدرس في معظم مدارس الشام ومصر في هذا العصر الذي تتعرض له تتركز حول القرآن والحديث والمذاهب الفقهية الرئيسية الأربعة ، وكان اختلاف هذه المذاهب في بعض المسائل الفرعية سببا في تجميع هذه المسائل الخلافية في دراسات خاصة ، عرفت باسم (علم الخلاف) وقد برع فيها كثير من علماء هذا العصر ، وبخاصة من علماء الشافعية.
    وفي (رحلة) ابن جبير ، وفي غيرها ، نجد حديثاً عن المدارس التي أنشئت للصبيان خاصة ، ويسميها ابن جبير أحيانا بالمكاتب ، وهدف هذه المدارس أن يحفظ بها الصبيان القرآن الكريم تلقينا ؛ أما القراءة والكتابة فكانت تعلم للصبيان في دراسة الشعر والأدب التي كانت تعتبر في هذه المرحلة مواد مساعدة ، وإنما كان القرآن يعلم تلقينا صيانة له عن التحريف والتصحيف ، وكانت المساجد ، كما يقول ابن جبير ، مكاناً آخر لتعليم القرآن لهؤلاء الصبيان الذين كانوا يفدون إلى المساجد لهذا الغرض ، وكان لهؤلاء التلاميذ ، ولمقرئيهم مرتبات خاصة يستحقونها في مقابل تدريس القرآن ودراسته (7).
    وكانت دراسة القراءات المختلفة للقرآن تأتي في المرحلة التالية من الأهمية بالنسبة لحفظه ؛ حتى إن كثيراً من العلماء اشتهروا بين رجال هذا العصر بإتقانهم لها ، ومن هؤلاء علم الدين السخاوي ( المتوفى سنة 643) الذي اشتهر بها حتى كان الناس يجتمعون حوله ليقرءوا القرآن عليه بقراءته في المسجد وفي الطريق بينه وبين منزله بسفح جبل قاسيون ، فلا يصح لأحد منهم نوبة إلا بعد أمد طويل (8). وفي كتب التراجم التي تتحدث عن الشخصيات العلمية لهذا العصر كثير من أمثال الشيخ السخاوي.
    ويجئ بعد القرآن وقراءاته علم الحديث ورجاله ، وقد ظهر هذا العلم بمؤسسات خاصة أخذ كل منها اسم (دار الحديث) تمييزا لها من بقية المدارس ، وأول دار للحديث بدمشق أسست أيام السلطان نور الدين محمود ، ثم تبع من جاء بعده مثاله ، ومن هؤلاء صلاح الدين الأيوبي ، والملك الكامل محمد ، والملك الأشرف موسى والملك الصالح نجم الدين أيوب.
    ويلي هاتين المادتين الرئيستين في الأهمية الدراسات الفقهية بمذاهبها الأربعة الرئيسية ، أما قواعد اللغة العربية والدراسات الأدبية والتاريخية فلم تكن إلا من المواد المساعدة التي تمهد للدراسات الدينية العميقة التي تتمثل في دراسة القرآن وقراءاته والحديث ورجاله ثم في دراسة الفقه ومسائل الخلاف.
    ومن بين المذاهب الفقهية الأربعة يحتل مذهب الشافعي مكان الصدارة ، وبخاصة في عصر الأيوبيين ذلك رغم أن نور الدين محمودا ، الذي بدأ الاهتمام الجدي بالنشاط العلمي السني ، وكان يعتنق مذهب الحنفية ، وفي تتبعنا للنشاط العلمي الذي اتخذ طريقه من الشام إلى مصر في أواخر عهد نور الدين نجده يصطبغ بالصبغة الشافعية ، فقد عزل صلاح الدين قضاة الشيعة بعد سقوط دولة الفاطميين مباشرة ، وعين الشيخ صدر الدين عبد الله بن درباس الشافعي في منصب قاضي القضاة ، وعين هذا الشيخ بدوره نوابه في الأقسام الإدارية بمصر من رجال الفقه الشافعي (9) ، ثم لم يلبث صلاح الدين أن اتخذ خطوة أخرى في هذا الصدد عندما أسس مدرسة للشافعية بجوار قبة الإمام الشافعي وأتبعها بأخوات لها في جهات أخرى ، ومن ثم لم يكن في الدولة الأيوبية بمصر كثير ذكر لمذهب أبي حنيفة وأحمد بن حنبل (10).
    ومنذ بدأ الاهتمام في الشام بإنشاء المدارس في عهد نور الدين محمود أقبل أصحابه وأمراء جيشه على التنافس في إنشائها ، وتابعهم على ذلك أصحاب الشام ومصر ، ومن اتصل بهم ، في عصر الدولة الأيوبية ، وكانت هذه المدارس موزعة بين المذاهب الأربعة الرئيسية وإن اختلف الإقبال عليها من مذهب إلى آخر فكان مذهب الشافعي في مرتبة الصدارة يليه مذهب أبي حنيفة ثم المذهب المالكي ، بينما كان لمذهب ابن حنبل المكانة الأخيرة ، إذ لم يقبل كثير من السلاطين أو الأمراء أو العلماء على تشجيعه بدرجة كافية ، بل كان بعضهم يقاوم انتشاره ونشاط علمائه ، ويؤيد أتباع المدرسة الشافعية في معاداتهم له ، ولعل السر في هذا أن رجال المذهب الحنبلي كانوا يحاولون في هذه الفترة النظرة إلى المسائل الشرعية نظرة تحليلية تعليلية ، ويردون شبهات المناظرين من المناطقة بحجج جدلية مشابهة تمشيا معهم في أسلوب مناظرتهم ، بينما كان الشافعية ، بزعامة إمامهم الأكبر ابن عساكر المحدث ، يلجئون إلى الحديث دائماً ويشككون في عقيدة الحنابلة وفي مقاصدهم.
    ولعل السر في تقدم الشافعية على الحنيفة كذلك أن نور الدين الحنفي المذهب وقف من المذاهب الأربعة موقفا محايدا وشجع العلماء جميعا على مواصلة جهودهم العلمية ، ووجه كثيراً من جهده وماله لدراسة الحديث خاصة ، فأنشأ له مدرسة خاصة عرفت باسم دار الحديث النسورية ، كما قدم ابن عساكر المحدث الشافعي الكبير في مجلسه على سائر الأمراء والعلماء حتى كان ابن عساكر يضرب المثل بجلال مجلس نور الدين ووقاره وتعظيمه للعلم والعلماء ، ثم جاء بعد نور الدين خلفاؤه الذين حكموا مصر والشام باسم الأمراء الأيوبيين ومعظمهم من الشافعية المتعصبين لمذهبهم ، وفي مقدمة هؤلاء صلاح الدين الأيوبي ، وأخوه الملك العادل سيف الدين ، ثم الملك الكامل موسى بن الملك العادل ، ومما يدل على موقف الأيوبيين من الشافعية تأييدا ومناصرة أن أحد علماء الحنيفة كتب كتابا في الفقه سماه (النوري في شرح القدوري) وتعرض فيه لبعض رجال الحديث من الشافعية ، وبلغ خبر الكتاب صلاح الدين فاستدعى مؤلفه يوم جمعة في مسجد دمشق وطلب منه كتابه وأمر " بغسله " في ميضاة المسجد (11).
    ودليل آخر أن المعظم عيسى صاحب دمشق ، ابن الملك العادل ، اعتنق المذهب الحنفي واهتم بدراسته والتخصص فيه ، فبلغ أمره والده الذي حاول أن يسترده إلى مذهب الشافعي ، فغضب المعظم وكلم أباه ومن حضر مجلسه من العلماء بلهجة يتحدث أبو المحاسن ، صاحب النجوم الزاهرة ، عنها " بأن السكوت عن ذكرها أليق " (12)، وذكر مؤلف " شفاء القلوب " أن مما قاله المعظم لأبيه حينئذ " أما ترضون أن يكون فيكم واحد مسلم ".
    ومما يدل على أن مذهب ابن حنبل كان لا يجد تعضيدا كافيا من الحكوميين أو من العلماء أن أبا شامة مدح أستاذه زين الأمناء ابن عساكر بأنه " كان لا يمر قرب صفوف الحنابلة حتى لا يأثموا بسبهم له " ، ويعلل أبو شامة هذا صراحة بالبغض العنيف الذي يكنه الحنابلة للشافعية ذلك البغض الذي كان متبادلا بين الفريقين ، حتى إن زكى الدين بن رواحة أنشأ مدرستين في حلب ودمشق وأباح الدراسة فيهما لكل من رغب الاستزادة في العلم على ألا يدخلها مسيحي أو يهودي أو حنبلي (13).
    ولكن سيطرة الشافعية والحنفية على الحياة العلمية لم يمنعا تطور مذهبي المالكية والحنبلية ، بل شجعتها هذه السيطرة على المناضلة لمحاولة التقدم والرقي ، فنجحا إلى حد كبير ، وأمكنهما بذلك تقنين بعض قواعد الفقه الإسلامي المتعلقة بنظم الحكم السياسة فيما بعد ، وبخاصة جهود الفقيه والمصلح الاجتماعي الإمام ابن تيمية (14).
    وكان لدراسة الطب في هذه المرحلة نصيب ملحوظ فكان الطلاب ينقلون دروسه النظرية ويقومون بتمريناتهم العملية في البيمارستانات ، حيث كان المرضى يعالجون من غير أجر ، وكان البيمارستان النوري بدمشق في مقدمة هذه المؤسسات الصحية العلمية نشاطا في هذه الحقيقة ، ومن بعده بيمارستان صرخد ، ثم بيمارستان القاهرة ، ومن أظهر أطباء هذا العصر ابن أبي أصيبعة الذي تلقى دراسته العلمية في صرخد والقاهرة وترك كتابا خاصا في طبقات الأطباء سماه "عيون الأنباء".
    ويمكن أن نقول : إن هذا النشاط العلمي يدين بوجوده لعوامل ثلاثة متعاونة ، أولها كثرة المدارس وتنوعها ، وثانيها الهيئة الحاكمة من سلاطين وأمراء ، وأتباع للأمراء والسلاطين ، وسيدات الأسر الحاكمة ، وثالثها جماعة العلماء.
    وقد تحدثنا من قبل عن العامل الأول.
    أما العامل الثاني فإننا نجد أن رجال الحكم والسلطة ومن اتصل بهم ، كانوا يتنافسون في إنشاء المدارس ، وبعضهم كان يبادر إلى هذا فور توليه منصبه الجديد ، يجعله عربونا لدى قومه على حسن السياسة التي سيتبعها في إدارة شؤونهم ورعاية صوالحهم ، ولسيدات هذا العصر فضل كبير في تأسيس الكثير من المدارس ، ونذكر منهم على سبيل المثال ، الخاتون عصمة الدين زوجة السلطان نور الدين محمود ثم من بعده زوجة السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب فقد أنشأت مدرسة فخمة في دمشق عرفت باسم المدرسة العصمية ، ومن أتباع السلاطين نذكر قايماز صارم الدين ، أحد مماليك السلطان صلاح الدين ، الذي أنشأ مدرسة باسمه بجوار منزله ، كما أنشا عدة ربط للصوفية في دمشق وفي غيرها من مدن الشام.
    ومن العلماء نذكر القاضي شرف الدين بن أبى عصروان الذي أنشأ مدرسة باسمه تواجه منزله بدمشق أيضا ، والقاضي الفاضل عبد الرحيم البيساني الذي أنشأ مدرسة في القاهرة للشافعية والمالكية ، وألحق بها مكتبة بلغت عدة كتبها مائة ألف كتاب.
    وفي كتاب الدارس في تاريخ المدارس للنعيمي ، وفي كتب التراجم كذلك ، أمثلة لا تحصى للتدليل على هذه القضية.
    ولم يقتصر اهتمام الهيئة الحاكمة ، ومن اتصل بها ، بحركة الإحياء العلمي على مجرد إنشاء المدارس ، وإنما كانوا يتخيرون لهذه المدارس أفضل الأساتذة وأتقاهم وأكثرهم قبولا لدى المتعلمين عامة ، بل كانت بعض المدارس تنشأ خاصة لعالم بعينه اشتهر بعلمه أو بمكانته بين الناس ، فقد أنشأ ناصر الدين القيمري مدرسة خاصة للأستاذ على بن محمود الكردي ، وقرر عند إنشائها أن يتولى شئونها بعد وفاة الشيخ الكردي أولاده وذريته.
    ومن قبل أنشأ السلطان نور الدين محمود دار الحديث النسورية للحافظ أبي القاسم هبة الله بن عساكر الكبير محدث دمشق (الذي توفى سنة 571هـ).
    وإنشاء مدرسة ما كان يعني في نفس الوقت تخصيص أوقاف بعينها يصرف إيرادها في إدارة هذه المدرسة وفي دفع مرتبات المدرسين والمعيدين وفي حاجات الطلاب الذين كانوا في أغلب الأحيان يقيمون بالمدرسة ، ويتغذون فيها ، ويحصلون منها على أدوات الكتابة والدرس ، بل كان من بين العلماء والطلبة من يتزوج ويقيم مع زوجه وأسرته في المدرسة التي التحق بها مدرسا أو طالبا .
    ومما يدل على وفرة الأوقاف المخصصة للمدارس ، ما ذكره ابن جبير في (الرحلة) عن مدينة دمشق التي استغرقت الأوقاف معظم أسواقها ومنشآتها ، وتوزعتها المساجد والمدارس والربط ، وفي وصفه لإحدى المدارس الحنفية بحلب يقول : " ويتصل به (بجامع قلعة حلب) من الجانب الغربي مدرسة للحنفية تناسب الجامع حسنا وإتقان صنعة ، فيها في الحسن روضة تجاور أخرى ، وهذه المدرسة من أحفل ما شاهدناه من المدارس بناء وغرابة صنعة ، ومن أطرف ما يلحظ فيها أن جدارها القبلي مفتح كله بيوتا وغرفا لها طيقان يتصل بعضها ببعض ، وقد امتد بطول الجدار عريش كرم مثمر عنباً ، فحصل لكل من تلك الطيقان قسطها من ذلك العنب متدليا أمامها ، فيمد الساكن فيها يده ، ويجتنيه متكئا دون كلفة ولا مشقة" (15).
    ولم يقتصر مورد هذه المدارس على الأوقاف الكثيرة التي كانت تخصص لها ، بل كان للعلماء إقطاعات خاصة يمنحها لهم الأمراء ومرتبات تصرف لهم من خزانة الدولة ، ويذكر القاضي الفاضل في إحدى رسائله إلى السلطان صلاح الدين الأيوبي "أن أرزاق أرباب العمائم في دولته ، إقطاعا وراتبا يتجاوز مائتي ألف دينار ، وربما وصل ثلاثمائة ألف شهادة لله"(16).
    ومن مظاهر اهتمام الهيئة الحاكمة بالنشاط العلمي ما نقرؤه من أن السلاطين أنفسهم كانوا يهتمون بالأخذ بنصيب من الثقافة بالقدر الذي تمكنهم منه ظروفهم ، فكان صلاح الدين يتلقى دروس الحديث من القاضي بهاء الدين بن شداد ، حتى وهو في ميدان القتال ، كما حاول أن يحفظ القرآن الكريم عندما وجد فسحة من الوقت ، وبدأ هذا فعلا ، ولكننا لا نعلم مقدار نجاح هذه المحاولة ؛ وفي الإسكندرية اعتاد أن يحضر دروس الحافظ السلفي مع من يصحبه من أولاده ورجال دولته ، واهتم العادل سيف الدين بثقافة أولاده حتى قيل : إن ابنه الكامل استطاع أن يحصل على إجازات علمية كثيرة من علماء عصره عن جدارة واستحقاق (17) .
    كما قيل : إنه استطاع أن يعلق على صحيح مسلم علميا "بكلام مليح"(18). والكامل هذا هو الذي اعتاد أن يعقد ندوة علمية دورية مساء كل خميس يتناظر فيها العلماء ويتجادلون ، ويشاركهم الكامل في جدلهم ومناظراتهم (19) أما المعظم عيسى صاحب دمشق ، وشقيق الملك الكامل ، فقد درس الفقه على مذهب أبي حنيفة في عناية وعمق ، وقد سبق أن ذكرنا رده على والده الملك العادل حينما حاول أن يصرفه إلى دراسة الفقه الشافعي ، ويذكر سبط ابن الجوزي أن المعظم هذا اختار مجموعة من العلماء وكلفهم بدراسة مسائل الفقه الحنفي لإفراد القضايا التي اختص بها الإمام أبو حنيفة ، وتلك التي تنسب إلى كل من صاحبيه محمد وأبي يوسف ، وكانت نتيجة هذه المحاولة كتابا جديدا في الفقه الحنفي ، سمي التذكرة ، في عشر مجلدات ، فدرس المعظم هذا الكتاب بعناية ، وكتب بخط يده على كل مجلد منه عبارة تدل على أنه حفظ ما فيه جميعه ، فلفت هذا نظر سبط ابن الجوزي فقال للمعظم : "إن أعظم العلماء حفظا لا يستطيع أن يدعي أنه حفظ أكثر من كتاب القدوري ، وأنت تذكر أنك حفظت كتاب التذكرة جميعه !! إنني أخشى أن يؤخذ هذا عليك" فتحداه المعظم عيسى أن يجمع له من أراد من العلماء ليختبروا حفظه لهذا الكتاب وقال : "إن الألفاظ لا تهم ، وإنما الذي يهم هو ما تعنيه هذه الألفاظ"(20).
    واهتم المعظم كذلك بقواعد اللغة العربية ، فحفظ كتاب المفصل للزمخشري ؛ وكان يشجع على الحفظ والدراسة بما يقدمه من مكافآت مالية ، فمن ذلك قوله : "من حفظ الجامع الكبير للكرماني أعطيته مائة دينار ، ومن حفظ الإفصاح لأبي علي في النحو أعطيته مائتين ، فحفظهما جماعة ووفى لهم (21).
    وعندما كتب سبط ابن الجوزي ترجمة المعظم عيسى في حوادث سنة 624 قال : "وفي هذه السنة ظهرت وفاة المعظم عيسى الملك الفقيه النحوي اللغوي ... " إلخ.
    ولأمراء الأيوبيين نشاط آخر في ميدان المعرفة ذلكم هو التأليف والتصنيف ، فقد كتب المعظم عيسى كتابا في الفقه الحنفي ، كما نظم مجموعة قيمة من الأشعار جمعها في ديوان خاص ، وألف الناصر داود كتابه "الفوائد الحلبية في الفرائد الناصرية"، وخصص فيه فصلاً تحدث فيه عن أصل الأسرة الأيوبية ، وينقسم هذا الكتاب قسمين : أولهما يشمل الرسائل والمكاتبات التي وجهها الناصر داود إلى بعض الشخصيات الرسمية وغيرها ، وثانيهما يحتوي على الأشعار التي أنشأها مؤلفة في عشرة أبواب (22). وكتب المنصور محمد صاحب حماة كتابا عن تاريخ حماة والشخصيات التي زارتها أو استقرت فيها ، ويقع هذا الكتاب في جزأين ، وقد سماه صاحبه : "المضمار في التواريخ" (23).
    وهكذا نجد أمراء الأيوبيين يسهمون في حركة الإحياء العلمي بطريق مباشرة بالتأليف والدراسة إلى جانب ما ذكرناه من قبل من مظاهر اهتمامهم بهذه النهضة.
    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    الهوامش :
    (1) كانت إمارة الموصل وما تبعها خاضعة لسيف الدين غازي بن زنكي ولكن سياسته العامة ، وسياسة من جاء بعده ، كانت متفقة عام الاتفاق مع سياسة نور الدين ومتعاونة معها.
    (2) قام ابن جبير برحلات ثلاث من الأندلس إلى المشرق : الأولى سنة 578 ، وهي التي كتب بعدها ، (الرحلة) والثانية بين سنتي 585 ، 587 وفي الثالثة استقر بالإسكندرية حيث توفي سنة 614 هـ.
    (3) يقول ابن جبير في (الرحلة) : (وبالجامع المكرم) (يعني بدمشق) مدة زوايا يتخذها الطلبة للنسخ والدرس والانفراد عن ازدحام الناس) (الرحلة : 266) ويقول : (ودهليز الباب الشمالي فيه زوايا على مصاطب هي محاضر لمعلمي الصبيان) (الرحلة : 271). ويقول : (وفيه حلقات لتدريس الطلبة ، وللمدرسين فيها إجراء واسع) (الرحلة : 273).
    (4) يقول المقريزي : (لم تكن المداس معروفة زمن الصحابة ولا التابعين ، وإنما حدث عملها بعد الأربعمائة ، فأول من حفظ منه أنه بنى مدرسة أهل نيسابور ، فبنيت بها البيهقية) الخطط : 2 : 363.
    (5) يقول المقريزي : (وأول مدارسة قرر بها للعلماء معالم هي النظامية ، وقد تم بناؤها سنة 459) الخطط : 2: 363.
    (6) وبنيت أول مدرسة بحلب سنة 516هـ ، وعلى حائطها تاريخ سنة 517 وتمسى بالزجاجية ، بناها بدر الدولة أبو الربيع سليمان بن عبد الجبار صاحب حلب عندئذ ، ولما أراد بناءها لم يمكنه أهلها أول الأمر لأن الغالب عليهم حينئذ كان التشيع . انظر الدر المنتخب لابن الشحنة.
    (7) يقول ابن جبير : (وعند فراغ المجتمع السبعي من القراءة صباحا يستند كل إنسان منهم إلى سارية ويجلس أمامه صبي يلقنه القرآن ، وللصبيان على قراءتهم جراية معلومة ، وأهل القدرة من الآباء ينزهون أبناءهم عن أخذها) ويقول (وتعليم القرآن للصبيان تلقين ويعلمون الخط في الأشعار ونحوها) الرحلة : 273.
    (8) وفيات الأعيان : 1 : 434 – 435.
    (9) يقول المقريزي : (لم يستنب عنه في أقاليم مصر إلا من كان شافعي المذهب ، فتظاهر الناس من حينئذ بمذهب الشافعي ومالك) الخطط : 2 : 343
    (10) الخطط : 2 : 343
    (11) مؤلف هذا الكتاب الشيخ ابن أبي اليعيش . انظر البستان الجامع لتواريخ الزمان في حوادث سنة 578هـ.
    (12) النجوم الزاهرة : 6 : 211.
    (13) الصفدي : الوافي بالوفيات.
    (14) انظر : Laoust (H) : Essai sur les Doctrines Sociais et Politiqus de Taki – ad – din Ahmad b. Taimiya. باريس 1939
    (15) الرحلة : 253.
    (16) عيون الروضتين لأبي شامة ، مخطوط بالمتحف البريطاني.
    (17) النجوم الزاهرة : 6: 288.
    (18) النجوم الزاهرة : 6 : 227.
    (19) نفس المصدر : 6 : 232.
    (20) مختصر مرآة الزمان : 426 – 427.
    (21) نفس المصدر.
    (22) وهو مخطوط بالمتحف البريطاني برقم 3027 Brit. Mus. Or
    (23) أبو شامة : المذيل على الروضتين : 124 ، سبط ابن الجوزي : مختصر المرآة 401 – 402 .
    المصدر : المجلة التاريخية ، مجلد 7 ، سنة 1958م.
    دور العلماء والراي العام الاسلامي في الجهاد ضد الصلييبيين
    دور العلماء والرأي العام الإسلامي في الجهاد ضد الصليبيين
    بقلم د/ حمدي شاهين
    تسبب سقوط مدينة بيت المقدس بما لها من مكانة في نفوس المسلمين؛ وتخاذل الحكام إزاء العدوان الصليبي في سريان موجات عاصفة من الغضب الشعبي الذي تبلور في رأي عام ضاغط؛ غذّاه العلماء والفقهاء بخطبهم الملتهبة وكتبهم ورسائلهم؛ التي أفاضوا فيها في ذكر فضائل بيت المقدس ومكانته؛ وفضل الجهاد في سبيل الله، وكان للاجئين المسلمين الذين شهدوا مذابح الصليبيين وجرائمهم دورهم البارز في إثارة أقصى مشاعر الغضب والاستياء في كل مكان (1)..
    وقد أسهم العلماء بما لهم من نفوذ روحي كبير في تحريك قوة العامة بما لها من تأثير في الصراع، وكانوا الأسبق إلى اكتشاف قدراتها وخطرها والتعويل عليها..
    لقد تحرك وفد من أبناء الشام بصحبة القاضي أبي سعد الهروي إلى بغداد في رمضان سنة 492هـ بعد سقوط بيت المقدس، فأوردوا في الديوان الخليفي كلامًا أبكى العيون , وأوجع القلوب، وقاموا بالجامع يوم الجمعة فاستغاثوا؛ وبكوا وأبكوا.. لكن هذا المسعى الشعبي لم يجد الاستجابة المنشودة لدى الخليفة في بغداد، فعادوا من غير بلوغ أرب؛ ولا قضاء حاجة(2)..
    وأهاج الشعراء بشعرهم مشاعر المسلمين وآلامهم(3)، ولما ساءت الأحوال بالشام سار جماعة من أهل حلب إلى بغداد مستنفرين على الأعداء ، ووصل تحركهم أوجه لما منعوا الصلاة يوم الجمعة بجامع السلطان ؛ ثم منعوها في الجمعة التالية بجامع القصر الخليفي ، فأرسل الخليفة إلى السلطان السلجوقي يحضه على العناية بإرسال الأمداد إلى الشام(4)..
    دور العلماء في حركة الجهاد:
    وكانت مشاركة العلماء بارزة في هذه الحركة الشعبية ، كما برز دورهم في إثارة الناس للجهاد ، بل شارك بعضهم بالفعل في أعمال الغزو والجهاد .. فعلماء مثل القاضي كمال الدين الشهرزوري - زمن عماد الدين زنكي وابنه نور الدين - والقاضي الفاضل والقاضي بهاء الدين بن شداد والفقيه عيسى الهكاري والعماد الأصفهاني - زمن صلاح الدين الأيوبي - كانوا يحتلون المكانة العالية عند أمرائهم، ويكلفون بالأعمال السياسية ومهمات التفاوض والمراسلات مع الخلافة أو الحكام الآخرين؛ فضلاً عن المشاركة الفعلية في إدارة البلاد وأعمال الجهاد (5)..
    وكانت للعلماء مشاركة ثقافية وعلمية في الحض على الجهاد وبيان ضرورته وفضله، فقد ألف ابن شداد كتابه "فضائل الجهاد" للسلطان صلاح الدين الأيوبي، وجمع فيه كثيرًا من الأحاديث التي تحث على الحرب وجهاد الكفار.. وألف ابن الأثير صاحب كتاب "الكامل في التاريخ" كتاب "تاريخ أتابكة الموصل"، وأهداه إلى السلطان الصغير القاهر مسعود صاحب الموصل تذكيرًا له بأمجاد آبائه أمراء الموصل؛ وحثًا له على أن يسلك سبيلهم، وألف أبو شامة كتاب "الروضتين في أخبار الدولتين النورية والصلاحية" تمجيدًا لنور الدين وصلاح الدين، وتوجيهًا لأمراء عصره الذين فشا بينهم الخُلف والشقاق، حتى يقتدوا بسيرتهما ويعرضوا عما هم فيه من حروب ومنازعات فرقت كلمتهم، وأطمعت أعداءهم"(6).
    بينما أسهم آخرون في الجهاد العسكري بأنفسهم، فمنذ وقت مبكر من عمر الصراع – سنة 504هـ بينما الأمة تعاني الانهيار البالغ مع تأسيس الإمارات الصليبية - تجهز جماعة من الفقهاء البغداديين للمسير إلى الشام لجهاد الصليبيين(7)، وشارك الفقيه عيسى الهكاري مع صلاح الدين في معاركه، وأُسر في موقعة الرملة سنة 573هـ، فافتداه صلاح الدين(8).
    وفي المعركة الكبرى التي نشبت عند عكا سنة 585هـ قتل الظهير أخو عيسى الهكاري، وكان والي بيت المقدس، وقد جمع بين الشجاعة والعلم والدين، وقُتل جمال الدين أبو علي بن رواحة شيخ ابن الأثير المؤرخ(9)، وفي حصار الصليبيين دمياط سنة 615هـ شارك العلماء في حشد الناس للجهاد , وفي أعمال القتال نفسها، مثل تقي الدين طاهر الحلي الذي كان يحرض العامة على الجهاد، والفقيه المالكي جلال الدين عبدالله بن شاس الجذامي السعدي الذي قاتل بنفسه (10)..
    وتصدى العلماء في دمشق مثل عز الدين بن عبد السلام شيخ الشافعية , وأبي عمرو بن الحاجب شيخ المالكية لتخاذل الصالح إسماعيل حاكم دمشق الذي سلم الصليبيين بيت المقدس وصفد والشقيف أرنون وغيرها، وسمح لهم بدخول دمشق لابتياع السلاح، فأفتى العز بن عبد السلام بتحريم بيع السلاح للفرنج؛ وتوقف عن الدعاء للصالح إسماعيل على منبر جامع دمشق، وظل في معارضته الشديدة حتى أمر الصالح باعتقاله، ثم أطلق سراحه، فاتجه إلى مصر؛ وذلك سنة 639هـ(11).
    واستمرت مشاركة العلماء في أحداث الجهاد في عصر المماليك؛ ففي زمن بيبرس اشترك العباد والزهاد في فتح أرسوف سنة 663هـ(12)، كما اشترك الفقهاء في فتح عكا زمن الأشرف خليل بن قلاون ليشاركوا بذلك في تسطير نهاية الوجود الصليبي بالمشرق الإسلامي(13).
    دور العامة في حركة الجهاد:
    ومنذ وقت مبكر من زمن العدوان الصليبي شارك العامة في التصدي المسلح له ما أمكنهم ذلك، فقد هاجم بعض العامة من الأتراك والعرب مؤخرة الجيش الصليبي وهو في طريقه إلى حصار عرقة؛ حتى كمن لهم الكونت ريموند السانجيلي وفتك بهم(14)، وباغتت جماعة من سكان حصن الأكراد بسهل البقاع الصليبيين المحاصرين لهم، حتى كادت تأسر قائدهم ريموند السانجيلي بعد أن تركه حرسه(15).
    وشارك المطوعة والمجاهدون في بعض المعارك التي خاضها القادة المسلمون منذ بداية الصراع؛ وكانوا يدفعون الثمن الفادح حين تحل الهزيمة بهؤلاء القادة المترفين، مثلما حدث حين شاركوا في جيش كربوغا أثناء حصاره أنطاكية، ولما انهزم حصدتهم سيوف الصليبيين(16)، وشاركوا في جيش الأفضل الجمالي الذي هزم قرب عسقلان سنة 492هـ "وأتى القتل على الراجل والمطوعة وأهل البلد؛ وكانوا زهاء عشرة آلاف نفس"(17).
    وقام العامة بدور كبير في المرحلة التالية التي شهدت بواكير الصحوة الإسلامية ومعارك التحرير(18)، فكان أعيان الموصل وراء اختيار عماد الدين زنكي واليًا عليهم بعد اغتيال آقسنقر البرسقي، واضطراب أحوالهم بعده، وتخوفهم من سطوة الصليبيين(19)، واستقبل أهل حلب ولاية عماد الدين زنكي بفرحة غامرة سنة 522هـ، وبادر أهل حران إلى تسليمها إليه خوفًا عليها من الصليبيين(20).
    وعندما غزا الدماشقة صليبيي طرابلس سنة 531هـ اجتمع مع قائدهم كثير من الغزاة المتطوعة، ومن التركمان أيضًا، ونشبت المعركة التي قتل فيها بونز "كونت طرابلس "(21)، وعندما هاجمت الحملة الصليبية الثانية دمشق سنة 543هـ اشترك المتطوعة والزهاد والفقهاء في قتالهم حتى ردوها (22).
    ولما غزا أسد الدين شيركوه مصر للمرة الثانية واتجه إلى الإسكندرية بادر أهلها إلى تسليمها إليه سنة 562هـ، لميلهم إلى مذهب أهل السنة، وكراهيتهم للشيعة، وقدموا إلى صلاح الدين مساعدة كبيرة لما حاصرهم الصليبيون الذين استنجد بهم الوزير الفاطمي شاور، وصبروا على مشاق الحصار حتى انسحب الصليبيون(23).
    وكان الأمراء المجاهدون يدركون قوة تأثير الرأي العام، ويسعون إلى إشراك الجماهير في تحمل أعباء الجهاد، وهو فرض على المسلمين جميعًا، فقد استمد نور الدين صاحبَ حصن "كيفا" قرا أرسلان في بعض حروبه، فتقاعس قرا أرسلان وأصحابه؛ ثم عاد في الغداة يأمرهم بالتجهيز للغزو؛ فأدهشهم تراجعه، فقال :"اعلموا أن نور الدين قد سلك معي طريقًا إن لم أنجده خرج أهل بلادي عن طاعتي، وأخرج البلاد عن يدي، فإنه قد كاتب زهادها وعبّادها يذكر لهم ما لقي المسلمون من الفرنج، وما نالهم من القتل والأسر؛ ويستمدهم الدعاء، وطلب منهم أن يحثّوا المسلمين على الغزاة، وقد قعد كل واحد منهم ومعه أصحابه وأتباعه يقرءون كتب نور الدين ويبكون، ويلعنونني ويدعون علىّ، ولابد من المسير إليه"(24) .
    وكان الصليبيون يدركون خطورة عداء الرأي العام الإسلامي لهم.. فلما أشار أصحاب "عموري الأول " ملك بيت المقدس عليه بالزحف إلى مصر - بعدما انقلب موقف شاور ضدهم - اعترض وقال: " .. إن نحن قصدناها لنملكها فإن صاحبها وعساكرها وعامة بلاده وفلاحيها لا يسلموها إلينا، ويقاتلوننا دونها. ويحملهم الخوف منا على تسليمها لنور الدين" ولكنهم لم يزالوا به حتى غزاها غزوته الفاشلة التي انتهت بسيطرة شيركوه على مصر"(25)
    وكان للعامة دور بارز في استيلاء صلاح الدين على حصن "مخاضة الأحزان "سنة 575 هـ، "(26) وشارك المطوعة في معركة حطين سنة 583 هـ " (27)، وبعدها غلبتهم حماستهم في قتال الصليبيين المتجهين نحو صيدا، فأوغلوا في أرض العدو مبعدين، وفارقوا صلاح الدين وراء ظهورهم؛ ولم يستجيبوا لمحاولاته إعادتهم؛ حتى حمل عليهم الفرنج حملة رجل واحد فقتلوهم؛ وشق على صلاح الدين والمسلمين ما جرى عليهم "(28).
    واستطاع رجل من أهل دمشق كان مولعًا بجمع آلات النفاطين , وتحصيل عقاقير تقوي عمل النار حرق الأبراج الثلاثة التي استعملها الصليبيون في حصار عكا سنة 586 هـ، وكانت فرحة المسلمين بذلك عظيمة، ولم يقبل ذلك الرجل شيئًا من الأموال الجليلة والأقطاعات الكثيرة التي عرضها عليه صلاح الدين؛ وقال:" إنما عملت لله تعالى، ولا أريد الجزاء إلا منه" (29)، واشتراك جمع كبير من المتطوعة والفقراء والعبّاد في فتح أرسوف مع بيبرس سنة 663هـ، "بل كانت النساء الصالحات يسقين الماء ويجررن في المجانيق" (30)، كما شاركوا مع الفقهاء في فتح عكا في زمن الأشرف خليل (31).
    موقف الرأي العام في فترة ضعف الأيوبيين:
    كان الرأي العام الإسلامي الذي وقف بقوة خلف حركة التحرير التي قادها نور الدين وصلاح الدين يشعر بالحسرة والجزع على ما آل إليه أمر المسلمين من ضعف وتخاذل بعدها، ويحاول أن يوقف تيار التراجع والوهن في صفوف الحكام.
    فقد كان الشعور بالصدمة هو المسيطر إزاء ساسة العادل الأيوبي الممعنة في مسالمة الصليبيين طوال عهده.. ففي سنة 604 هـ اجتمع في جامع دمشق أكثر من ثلاثين ألفًا يطالبون بالجهاد، وقصت امرأة شعرها وأرسلته إلى العادل، وقالت: "اجعله قيدًا لفرسك في سبيل الله " (32)..
    وفي سنة 608هـ خرج المؤرخ الفقيه سبط ابن الجوزي والكثيرون من أهل دمشق مع المعظم عيسى لمواجهة استفزازات الداوية؛ حتى إن النساء قطعن شعورهن ليجدلنها حبالاً لخيول المجاهدين، فأخذها المعظم في جامع نابلس وجعلها على وجهه وجعل يبكي، وكان يومًا عظيمًا تلته معارك محدودة وتوقيع هدنة (33).. ولما حوصرت دمياط سنة 615هـ استجاب التجار إلى جمع التبرعات لمواجهة الصليبيين " (34)، ولما سقطت المدينة بأيديهم أمر السلطان بخروج أهل مصر والقاهرة لقتال الفرنج " (35)، وكان الكامل يركب بنفسه " ويستحث العوام على جهاد الفرنج " (36)، فاجتمع الناس من أهل مصر والقاهرة وسائر النواحي ما بين أسوان إلى القاهرة (37)، ولما اشتد القتال "كانت العامة تكر على الفرنج أكثر مما يكر عليهم العسكر"(38)..
    ولم يكن شعب مصر هو الذي تحرك وحده للجهاد واسترجاع دمياط؛ بل إن أهل الشام تحركوا بدورهم.. فقد دعا المعظم عيسى شعب دمشق للجهاد بعد سقوط دمياط للضغط على الصليبيين بالشام، وكلف سبط بن الجوزي بذلك، ومن تقاعس من الكبراء أخذ الثمن والخمس من أموالهم مؤاخذة لهم "(39)..
    وخرج الكامل عن بيت المقدس وغيرها للإمبراطور فردريك الثاني سنة 626هـ، "وبعث السلطان فنودي بالقدس بخروج المسلمين منه وتسليمه إلى الفرنج، فاشتد البكاء، وعظم الصراخ والعويل، وحضر الأئمة والمؤذنون من القدس إلى مخيم الكامل، وأذنوا على بابه في غير وقت الآذان فعز عليه ذلك … وعظم على أهل الإسلام هذا البلاء، واشتد الإنكار على الملك الكامل , وكثرت الشناعات عليه في سائر الأقطار" (40)..
    "وعُملت الأعزية في جميع بلاد الإسلام بسبب ذلك، وأشار الملك الناصر داود صاحب دمشق ـ خصم الملك الكامل ـ على الشيخ شمس الدين يوسف بن الجوزي أن يذكر ما جرى في القدس في مجلس وعظه بجامع دمشق، ليكون ذلك زيادة في الشناعة على عمه الملك الكامل، فجلس وأنشد شعرًا ذكر فيه بيت المقدس وفضله، وفداحة الخطب بسيطرة الصليبيين عليه" (41)..
    واستمر الإنكار الشعبي لذلك حتى شعر الكامل بحرج موقفه، وساق التبريرات المختلفة لما فعل، فلم يغن عنه شيئًا (42)..
    وقام المتطوعة المصريون بدور كبير في التصدي لحملة لويس التاسع على دمياط والمنصورة (43)، وقد شهد بذلك الدور جوانفيل المؤرخ المصاحب للملك الفرنسي؛ فذكر ضروبًا كثيرة لمشاركتهم الفعالة (44)، كما أشاد السلطان تورانشاه بدور المتطوعة بعد هزيمة الصليبيين في رسالة منه إلى نائبه بدمشق، فقال" وجمعنا العربان والمطوعة واجتمع خلق لا يحصيهم إلا الله تعالى وجاءوا من كل فج عميق، ومن كل مكان بعيد سحيق، ولما رأى العدو ذلك أرسل يطلب الصلح"(45).
    وقد مر بنا إنكار أهل دمشق وعلمائها ـ وعلى رأسهم العز بن عبدالسلام ـ على الصالح إسماعيل تسليمه بيت المقدس وغيره للصليبيين وشاركتهم الحامية الإسلامية في الشقيف أرنون التي رفضت تسليم الحصن للصليبيين؛ فاضطر الصالح إسماعيل إلى حصار الحصن بنفسه حتى استسلمت الحامية، فعاقب أفرادها، ثم اتجه مع حلفائه من الأيوبيين والصليبيين إلى غزو مصر، فلما التقى الجيشان عند غزة انضمت القوات الشامية إلى عساكر مصر طائعة، ومالوا جميعًا على الفرنج فهزموهم، وأسروا منهم خلقًا لا يحصون؛ وانهزم معهم الملك الخائن (46).
    دور المسلمين تحت الاحتلال في دعم حركة الجهاد:
    وتجاوب المسلمون تحت الاحتلال في مملكة بيت المقدس مع انتصارات تحالف مودود / طغتكين سنة 507هـ، وساعدوهم على مهاجمة نابلس، " ولم يبق في بلاد الإفرنج مسلم إلا وأنفذ يلتمس الأمان من أتابك (طغتكين) وتقرير حاله"، ودفعوا إليه خراج نابلس، ونهبوا بيسان، ولم يبقوا بين عكا وبيت المقدس ضيعة عامرة (47)..
    وفي سنة 539هـ قام المسلمون من سكان وادي موسى المحتل جنوب شرقي الأردن باستدعاء الجيوش الإسلامية، والاستيلاء على القلعة الصليبية هناك؛ فقام الصليبيون بحملة ضدهم قطعوا فيها أشجار الزيتون التي يعيشون عليها (48).
    وإبان رحلة أسامة بن منقذ إلى فلسطين سنة 549هـ/1154م كانت هناك قلاقل بين المسلمين والفرنجة في المنطقة المحيطة بنابلس (49)..، وحكى أسامة بعض صور التصدي للصليبيين في الأرض المحتلة، ومنها أن أحد المسلمين من نابلس كان يحتال على الصليبيين ويتعاون هو وأمه على قتلهم " (50)..، كما هاجم آخرون ضياع السادة الصليبيين واستولوا على ما وجدوه فيها " (51)..
    وظلم أحد الإقطاعيين الصليبيين ـ في منطقة مجدل يابا قرب نابلس ـ رعاياه من المسلمين؛ وقرر عليهم الضرائب الفادحة؛ فرفع ضريبة الرأس إلى أربعة أمثال ما يدفعه الصليبيون في المناطق القريبة، ووقع عليهم العقوبات البدنية حتى قطع أرجل أناس منهم؛ وقد تحمل المسلمون ذلك كله، لكنه لما تدخل في حرياتهم الدينية، وطلب منهم العمل في الحقول يوم الجمعة، واضطهد خطيب قرية جماعيل قرب نابلس ـ الذي كان دائم الحض لهم على مواجهة ما هم فيه من مظالم ـ عز عليهم الصبر؛ فترك سكان ثماني قرى منهم مساكنهم سنة 551هـ/1156م، واتجهوا نحو دمشق؛ حيث أسسوا بالقرب منها ضاحية "الصالحية"، وجعلوا همَّهم الجهاد في سبيل الله " (52).. وهكذا أسهم احتشاد الأمة حكامًا وعلماء وعامة في تحقيق النصر النهائي وصناعته.
    الهوامش :
    (1) راجع د. قاسم عبده قاسم: ماهية الحروب الصليبية 134-135
    (2) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 9/19-21، ابن الجوزي: مرآة الزمان 1/327-329
    (3) راجع: ابن الجوزي: السابق 1/329-330.
    (4) ابن القلانسي: ذيل تاريخ دمشق 173، الحريري: الإعلام والتبيين ص72-73، ابن الأثير: السابق 9/140-141.
    (5) د. محمد حلمي: مصر والشام والصليبيون ص242.
    (6) السابق ص243، وانظر مقدمة الروضتين في أخبار الدولتين لأبي شامة 1/1-5.
    (7) راجع ابن كثير: البداية والنهاية 12/669.
    (8) ابن الأثير: السابق 10/85-86، أبو شامة: السابق 1/2/701.
    (9) وقال عنه ابن الأثير: "وهو من أهل العلم، وله شعر حسن، وما ورث الشهادة من بعيد، فإن جده عبد الله بن رواحة صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم" (الكامل 10/187، وانظر ابن واصل: مفرج الكروب 1/79-81، 143، 144)
    (10) راجع: النويري: نهاية الأرب 29/100
    (1 [1][1]) المقريزي: السلوك 1/1/301-308، النويري: السابق 29/278-279، 295-296، أبو الفدا: المختصر في أخبار البشر أحداث سنة 639هـ
    (2 [1][1]) النويري: السابق 30/270-271.
    (3 [1][1]) ابن كثير: البداية والنهاية 13/326.
    (4 [1][1]) وليم الصوري: الحروب الصليبية 2/44 انظر ريمونداجيل: تاريخ الفرنجة غزاة بيت المقدس 182.
    (5 [1][1]) رنسيمان: الحملات الصليبية 1/323، وانظر ريمونداجيل: السابق 183-184.
    (6 [1][1]) ابن القلانسي: ذيل تاريخ دمشق ص136.
    (7 [1][1]) السابق 137.
    (8 [1][1]) براور:عالم الصليبيين ص190.
    (9 [1][1]) راجع ابن واصل: مفرج الكروب 1/35، سهيل زكار: مقدمة الإعلام والتنبيه للحريري ص45.
    (20) النويري: نهاية الأرب 27/124.
    (21) ابن الأثير: الكامل حوادث سنة 531هـ.
    (22) ابن منقذ: الاعتبار 94-95، أبو شامة: الروضتين 1/1/1، ابن الأثير: السابق 9/353.
    (23) ابن واصل: السابق 1/151.
    (24) السابق1 / 143 - 144
    (25) السابق 1/156، أبو شامة: الروضتين 1/2/390
    (26) ابن الأثير: السابق 10/96
    (27) السابق 10 / 147
    (28)السابق 10/ 181 – 182 ،ابن واصل: مفرج الكروب 2 / 285 - 286
    (29) ابن الأثير: السابق 10 / 192 – 193، ابن واصل: السابق 2 / 315 - 316
    (30) النويري: نهاية الأرب 30 / 270 - 271
    (31) ابن كثير: البداية والنهاية 13 / 396
    (32) أبو شامة: ذيل الروضتين ص 69 - 70
    (33) السابق ص 70، سعيد عبد الفتاح عاشور: الحركة الصليبية 2/750 – 180
    (34) النويري: نهاية الأرب 29 / 88

    آخر تحديث ( انأربظاء, 02 وêسàاو 2008 )
    [ عودة ]
  2. Abdo Mohamed

    Abdo Mohamed Abdo Mohamed إداري

    Facebook Profile
    Twitter Profile
    بارك الله فيك

مشاركة هذه الصفحة